فهرس الكتاب
وهذا يُظهِر لنا ان المعنى عند الاصوليين تابع للقصد ، وانما الالفاظ وسيلة من وسائل الدلالة على القصد ، ولكنها ليست جميع الوسائل ، فقصد المتكلم يعرف من: الكلام ، و (ما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية ، وحال المتكلم ، وغير ذلك) [1] .
وعلى هذا فإن مراد الشارع أو قصده من نصوصه امر ثابت لا يتغير، ويستدل على مقاصده بوسائل كثيرة، لا تقتصر على الالفاظ. اما فهم الناس من حيث انهم متلقون لخطاب الشارع، فإنه يتفاوت بحسب قدراتهم من: جودة الفكر، وصفاء الذهن، والثقافة، والدراية باللغة، وغير ذلك.
وقد وضح ذلك ابن القَيِّم [2] وهو يبين تفاوت مراتب الناس في الفهم، فإن (منهم من يفهم من الاية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم منها عشرة احكام، أو اكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه، ودون ايمائه وإشارته وتنبيهه واقتضائه، واخص من ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب في فهم القرآن، لا يتنبه له الا النادر من اهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلُّقِه به ، وهذا كما فهم الإمام علي - رضي الله عنه - من قوله تعالى:(( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) ) [3] ، مع قوله- عز وجل-: (( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن ) ) [4] : فهم منهما: أن المراة قد تلد لستة أشهر [5] .
(1) م. س 1/354.
(2) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، فقيه أصولي مجتهد ، (ت751هـ) : (الدرر الكامنة 3/400، شذرات الذهب 6/168-170) .
(3) سورة الأحقاف: من الآية 15 .
(4) سورة البقرة: من الآية 233 .
(5) ينظر: إعلام الموقعين 1/354 .