فهرس الكتاب
اما بالنسبة للسامع فـ (ان الحدث اللساني في ذاته-من حيث هو حدث- ذو طبيعة تسلطية ونفاذ تحكمي) [1] ، فالمدرك لا خيار له من تَلَقِّي الخطاب، ولا يستطيع الانفلات من هيمنة المتكلم واستحضاره في الذهن عند الفهم ، فيستحضر احوال المتكلم وقصده وارادته واعتقاده وغيرها؛ ليعرف بالتالي مراده [2] .
وكذلك المتكلم لا يستطيع إغفال المخاطَب وهو يبدع الخطاب (فلو كان استماع الاذن مغنيا عن مقابلة العين ، مجزئًا عنه ، لما تكلّف القائل ، ولا كلف صاحبه الاقبال عليه .. ... قالوا: رب إشارة أبلغ من عبارة) [3] . ومن ثم يتنوع المخاطب، وتتنوع الاحكام تبعًا له: فهو احيانا مريض أو مسافر، واخرى مجاهد قادر أو متبلِّد، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ) ) [4] ، وقد يقتضب الكلام؛ لعلم السامع باشياء يتحدث عنها المتكلم، وقد يرسل؛ لعدم علمه بذلك . ومن هنا كان الخطاب الذي نزل بمكة يتميز عن الخطاب الذي نزل بالمدينة ، من حيث المضمون والنظم [5] ، فلأول يركز على العقائد ، وتمتاز عباراته بالقِصَر مثلًا ، والثاني يركز على تفاصيل الأحكام العملية في المجتمع المدني ، ويمتاز بطول عباراته .
ومن ثم نجدهم بحثوا في قضية التبيين أربعة أطراف:
(1) التفكير اللساني في الحضارة العربية: د . عبد السلام المسدي، ص298، الدار العربية للكتاب ، ليبيا، تونس ، 1981م .
(2) ينظر: سر الفصاحة: ابن سنان الخفاجي عبد الله بن محمد بن سعيد (ت466هـ) ، ص44 ، دار الكتب العلمية، بيروت ، 1402هـ= 1982م .
(3) خصائص ابن جني 1/247 .
(4) سورة التوبة: من الآية 38 .
(5) ينظر: الخطاب الشرعي 19 - 20 .