فهرس الكتاب
وقد عدّ الحنفية التخصيص من بيان التغيير؛ لتغييره دلالة العام من القطعية إلى الظنية، واشترطوا قطعيةَ دلالةِ المخصِّص ؛ لأنه مُغَيِّر لقطعيٍّ ، أما عند الجمهور فهو من بيان التقرير أو التفسير [1] .
أما بيان الاستثناء وغيره فسوف نتناوله في مواضع لاحقة .
4 -بيان الضرورة: وهو نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل [2] ، وهو الدلالة غير اللفظية، المأخوذة من السكوت-مثلًا- مع القرينة. والذي يهمنا منه البيان بدلالة المنطوق، المنزل منزلة المنصوص، ويتحقق فيما اذا ورد لفظ ودل بمنطوقه على حكم مسكوتٍ عنه لازمٍ للمنطوق، وقد مثلوا بقوله تعالى: (( وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) ) [3] ، فأضاف الميراث إلى الأب والأم في صدر الكلام، ثم ذكر نصيب الأم ، فأفهم: أن نصيب الأب ما تبقى بدلالة: السكوت ، وصدر الكلام ، فكأنه منصوص ؛ لأن السكوت في موضع الحاجة بيان [4] ، وهذا من الإيجاز المعدود في مباحث البلاغة .
... ومنه البيان لضرورة اختصار الكلام باقتضاء الضرورة ، فيسكت عن باقي الكلام فيكون مبينًا. ويتحقق هذا بعطف مكيل أو موزون على جملة مجْمَلة ، فيكون بيانًا لها، كقولك: (لفلان عليَّ مئة ودرهم) ، فيفيد العطفُ: أن الكل من جنس المئة . وهذا عند الحنفية ، وعللوه ؛ باعتياد الناس حذف المفسَّر في المعطوف عليه في العدد، بدلالة التفسير في المعطوف.
(1) ينظر: اصول السرخسي: 2 / 29 - 30 ، وسلم الوصول شرح نهاية السول: 2/452 ، وطرق البيان: 206 .
(2) ينظر: اصول السرخسي: 2 / 50 .
(3) سورة النساء: من الآية 11 .
(4) ينظر: أصول الشاشي: احمد بن محمد بن إسحاق الشاشي (ت344هـ) : ص261، دار الكتاب العربي، بيروت، 1402هـ= 1982م، واصول السرخسي: 2/50 ، وعمدة الحواشي ( شرح أصول الشاشي ) : الكنكوهي محمد فيض الرحمن ، ص262 ، (مطبوع مع اصول الشاشي) .