فهرس الكتاب
... وبيان ذلك: أن ( قولنا:(الرجل) له وجود في: الأعيان ، وفي الأذهان ، وفي اللسان. أما وجوده في الأعيان فلا عموم له فيه؛ إذ ليس في الوجود رجل مطلق، بل إما زيد وإما عمرو، وليس يشملهما شيء واحد هو الرجولية. وأما وجوده في اللسان فلفظ: (رجل) قد وضع للدلالة، ونسبته في الدلالة إلى زيد وعمرو واحدة، يسمى عامًا باعتبار نسبة الدلالة إلى المدلولات الكثيرة. وأما ما في الأذهان من معنى: (الرجل) فيسمى كليًا، من حيث إن العقل يأخذ من مشاهدة (زيد) : حقيقة (الإنسان) : وحقيقة (الرجل) ، فإذا رأى عمرًا لم يأخذ منه صورة أخرى. وكان ما أخذه من قبل ، نسبته إلى عمرو الذي حدث الآن كنسبته إلى زيد الذي عهده أولًا. فهذا معنى كليته، فإن سُمِّيَ عامًا بهذا فلا بأس) [1] .
... إذن فالمجالات التي يمكن أن يتصور فيها العموم، أوْ لا يتصور هي: مجال الواقع الخارجي، ومجال الأذهان، ومجال اللغة [2] ، ويضاف اليها المجال ( أو الوجود ) الكتابي ، وهو وجود الأِشياء في الكتابة، والحروف المكتوبة مؤَلَّفةً تدل عليه [3] .
... أما مجال الواقع فلا عموم فيه؛ لأن كل شيء فيه محدد معين، ولكل فرد من أفراده صفاته الخاصة به، فلا شركة بين زيد وعمرو في صفة مّا تُخَوِّله العمومية، ولا بين هذه الشجرة وتلك، ولا بين هذا الحيوان وذاك. فكل شيء في الوجود منفرد بصفات خاصة به.
... وفي مجال الذهن كذلك ، لا يوجد تعدد، فالصورة التي انطبعت في الذهن لأول إنسان أو حيوان تبقى هي الصورة نفسها الماثلة عندما تعرض له صورة لاحقة، وحيث كان الأمر كذلك كان العموم منعدمًا لعدم وجود التعدد .
(1) المستصفى 2/12.
(2) ينظر: الخطاب الشرعي 76.
(3) ينظر: المنطق: الشيخ محمد رضا المظفر، ج1/20-23، مط التفيض الأهلية ، بغداد ، 1367هـ= 1947م .