روى الإمام مالك في موطئه عن التابعي الكبير عطاء بن يسار رحمه الله، وكان ممن يسكن المدينة: (أن رجلًا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا) ، يعني: حزن حزنًا كبيرًا جدًا، وخاف أن يكون قد ارتكب محظورًا يأثم به، مع أن هذا ليس بحرام، لكن الرجل لم يكن يعرف ذلك، فأرسل امرأته لتسأل له عن ذلك، وهنا نلحظ أن الرجل عنده مراقبة داخلية لله عز وجل، وحريص على أن يعرف رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، لكنّ حياءه منعه من ذلك، (فبعث امرأته لتسأل إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، فدخلت زوجته على أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة وأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرًا، يعني: زاده حزنًا، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله يحل لرسوله صلى الله عليه وسلم ما شاء) .
وهذا كان اجتهادًا من الرجل، ولو سحبنا هذا الاجتهاد على كل قواعد الدين لضاع الدين، فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما لهذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة بقصتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرته أني أفعل ذلك؟ فقالت له أم سلمة: قد أخبرتها، وذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله يحل لرسوله ما شاء.
فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا)، وهنا نجد أن مواطن الغضب في حياة الرسول كانت قليلة جدًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله عز وجل، لكن كان هذا الرجل مشددًا على نفسه، لكن ذلك لا ينفع، فلا بد من تقليد الرسول في كل نقطة من نقاط حياته، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده) .
إذًا: فالذي عمله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحلال، والذي منع منه هو الحرام من غير أي تكلف، فأي شيء عمله في العبادة والطاعة والتقرب إلى الله وأمر به المسلمين ولم يقل: إنه خاص به فعلى المسلمين أن يعملوه ولا يزيدوا عليه شيئًا، فالذي عمله النبي صلى الله عليه وسلم هو الصحيح من غير زيادة ولا نقصان.
وتأمل موقف الصديق من إنفاذه لبعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا لحرب الروم قبل أن يموت بأيام قليلة، ثم مات صلى الله عليه وسلم وارتدت جزيرة العرب بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية، وخاف الناس على المدينة، بل تخوفوا على الإسلام، وفي هذا الجو المشحون بالفتن والردة والخوف على المدينة أصر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على إنفاذ جيش أسامة بن زيد لمحاربة الروم، ولم يلتفت رضي الله عنه إلى المرتدين وما يشكلونهم من خطر، لأن الذي أنفذ جيش أسامة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاءت الناس تخاطب الصديق رضي الله عنه وأرضاه وتقول له: دع الجيش في المدينة حتى يقوم بحمايتها، فرد عليهم قائلًا: لو تخطفتنا الطير وأكلتنا السباع حول المدينة، وجرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين، ما رددت جيشًا وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت لواءً عقده.
فانظر كيف أن الصديق لم يخالف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر؛ ولذا كان من أعظم صفات الصديق رضي الله عنه وأرضاه الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم.