الصفحة 18 من 49

وهكذا يستمر أحيانًا تنازلُ طائفة العلل والتفصيل في الحكم على بعض الجزئيات إلى أن تبتعد كثيرًا عن الاستناد إلى التفصيل المفيد وتقترب جدًا من الاتكاء على الإجمال البعيد ، أعني: يكون الحكم على القضية الجزئية حكمًا تغليبيًا وتخمينيًا لأنه يستند إلى حكم عام مجمل ؛ وأصل غير قريب ، ولكن لا عيب عليهم في ذلك ، فليس على العالم أن يعلم ما لا يوجد علمه بين الناس ، ولكن عليه أن لا يقصر في طلب النافع من العلم وجمعِ أشتاته واستظهار خوافيه ، ولا سيما في فنه الذي يتكلم فيه ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها .

ومثال ذلك - أي القناعة بالاستناد إلى العلم المجمل - أن يردوا الحديث لما فيه من عنعنة راو مدلس مكثر من التدليس ؛ لأنهم لا يعرفون من كيفية تحمل ذلك الراوي لذلك الحديث خاصةً شيئًا ، بل ولا يعرفون من التفصيل في عنعنة ذلك الراوي أكثر من أنهم يعرفون أنه مدلس مكثر من التدليس ؛ وهذا بخلاف بعض أحاديث بعض المدلسين فترى النقاد يستثنونها ويحكمون فيها بحكم مختص بها ، فيقولون مثلًا: فلان المدلس سمع هذا الحديث من شيخه زيد باعتراف زيد نفسه ، أو بشهادة فلان من أقرانه أو تلامذته ، أو بدلالة كذا وكذا ، أو هو مكثر عن زيد جدًا طويل الملازمة له فلا تضره عنعنته عنه ويكون لها خاصة حكمُ الصيغ الصريحة في السماع .

ومثال الاستناد إلى أصل عام أيضًا أن يمر بهم تابعي صغير مجهول ولكنه من شيوخ مالك وهم لا يعرفون عنه شيئًا فيقولون: هو ثقة لرواية مالك عنه ، مستندين على حكم عام وأصل أغلبي وهو أن مالكًا لا يروي إلا عن ثقة عنده ؛ مع أنه قد عُلم روايته عن عدد يسير من الضعفاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت