فإذن الاستناد إلى القواعد الكبرى والضوابط الواسعة والأصول البعيدة لا يكون - عند الطائفة الأولى - إلا عند فقدان تفاصيلها التي من شأنها أنها تحرص جدًا على تحصيلها ؛ وهي مع ذلك تتدرج ، بل تتدرك ، في نزولها من علمِ فرعٍ ضيق تعجز عنه إلى علم فرع يكون أوسع من الأول وأعم منه وأشمل ، وهي في كل ذلك - كما ذكرنا - مضطرة غير مختارة ؛ فهي تحرص على الفروع والتفاصيل وتجمد عليها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا ، أكثر من حرص أهل الأصول والقواعد وجمودهم على أصولهم وقواعدهم .
فالقواعد والأصول عند الطائفة الأولى وجدت للحاجة واختصار التعبير ، وتيسير الحفظ وتسهيل التعليم ، وهي لا يصار إليها أو يُستند عليها - بل ولا يُلتَفتُ إليها - إلا عند فقدان ما يغني عنها ويفْضُلها من العلم الأكثر تفصيلًا والأكمل تصريحًا والأبين تفسيرًا .
وأما الطائفة الثانية ، فإنها ظنت - غيرَ موفَّقةٍ في كثير من ذلك الظن - أن العلم هو القواعد والأصول ، وأن تلك الأصول يجب أن تكون حَكَمًا على التفاصيل وحُكمًا لها ؛ وأنه لا يصح أن يُقبلَ قولٌ يخالف قاعدة شائعة أو يخرج عن أصل معتبر ، إلا بدليل تقتنع به هذه الطائفة نفسها .
فلو قال عالم من علماء الطائفة الأولى - وهم أئمة العلل والتفصيل -: هذا الراوي من شيوخ مالك ضعيف ، أو قال: هذا الحديث من أحاديث المدلس الفلاني متصل ، قاموا عليه وعارضوه بنحو قولهم: أخالفت الأصل أو نسيته؟! وهو لم يخالفه ولم ينسه .
فصنيعهم لو تدبرتَه وجدتَه من باب تقديم العام على الخاص ، أي من باب حمل الخاص على العام ؛ ومعلوم أن هذا أصل باطل لا يحق ومنهج أعوج لا يستقيم .
فإن قيل: لِمَ فعلتِ الطائفةُ الثانيةُ ذلك؟
فالجواب أنهم أُتوا في ذلك من أمور:
أولها: نقص كبير في الوقوف على التفاصيل ، فأدى بهم ذلك إلى الغلو في القواعد والأصول والمبالغة في الرجوع إليها والاعتماد عليها ، وتفاقم الأمر إلى أن وصل ما إليه وصل .