الثالث: عدم فهمهم - أو عدم تيقنهم - أن القواعد إنما أوجدها أصحاب الطائفة الأولى - شأنهم في ذلك شأن أصحاب كل علم صحيح - ليكون الاستناد إليها والتفريع عليها عِوضًا عن التفاصيل عند فقدانها في مسألة جزئية من مسائل ذلك العلم ، وملجأ للباحثين عند تعذر المعرفة التحقيقية الدقيقة ، كما تقدم .
إن جادّةَ جمهور المتأخرين في علومهم إنما هي بناء الأحكام الفرعية على الأصول العامة ، فكأنهم لذلك ظنوا أن المتقدمين كذلك كانوا ، وما علموا أن المتأخرين والمتقدمين ليسوا سواء ، فالمتقدمون طريقتهم بناء الأصول على الفروع ، ثم إعطاء الفرع - أي المسألة الجزئية - إذا جُهل وصفه وتفصيله حكمَ الأصل العام ، كما تقدم بعضُ أمثلته ؛ وأما إذا عُلم من الفرع أيُّ تفصيلٍ مختص به فيكون الاستناد في الحكم عليه: على هذا التفصيل (1) لا على ذلك الإجمال والتعميم .
هذا وإن شئت فقل هنا بدل ما تقدم من التعبير: إن المتقدمين والمتأخرين تماثلوا في المبدأ واختلفوا في التطبيق ، فكل واحد من الطائفتين يبني فروعه على أصوله ، ولكن المبني عليه عند المتقدمين هو الأحكام التفصيلية ، والمبني هو الأصول والضوابط المجملة ؛ وأما المتأخرون فعلى الضد من ذلك ، فقاسوا المتقدمين عليهم فكان ذلك القياس فاسدًا عند المحققين بلا منازع ، بل معكوسًا ومضادًا للواقع (2)
(1) وبعبارة أخرى فإنه لا يحكم عندهم على مسألة جزئية بحكم أصل عام يشملها إلا عند عدم معرفة ما يقتضي الخروج عن ذلك الحكم ، أي عدم معرفة ما يزيد عن كون تلك المسألة راجعة إلى ذلك الأصل العام رجوعًا جُمْليًا .
(2) من أسباب الانحراف في منهج المتأخرين في الحديث قياسهم طريقة المتقدمين على طريقتهم وقياسهم علم الحديث على علومهم العقلية ، هذا على فرض أنه يوجد علم ديني عقلي ، فالتحقيق أنه لا يوجد علم عقلي إلا أن يكون دنيويًا أو دينيًا مبتدعًا .
وأيضًا من أسباب إعراض المتأخرين عن علم الحديث أو عن التبحر فيه وفي تفاصيله: صعوبته وكثرة اشتغالهم بالعلوم العقلية عن العلوم النقلية ، وقلة وثوقهم بعلوم النقل والناس أعداء ما جهلوا ، والدين نقلٌ ليس للعقل فيه إلا مشاركته في معرفة ما يثبت من المنقول وما لا يثبت منه ، ثم في معرفة معنى الثابت وفي استنباط الأحكام من تلك المعاني .