وهكذا أُتي المتأخرون من عدم فهمهم - أو عدم تيقنهم - أن القواعد والأصول الصحيحة إنما هي في أصلها قائمة على الأحكام الفرعية للأئمة ومتفرعة عنها ومستندة إليها ؛ فالراوي الذي قال فيه النقاد المتقدمون المجتهدون: ( هو ضعيف ) فهم إنما قالوا ذلك فيه بعد أن استقرأوا أحاديثه أو معظمها وتتبعوا طرقها وحكموا عليها ونظروا في كل ما يتعلق بها مما من شأنه أن يعين على التوصل إلى معرفة ما يليق بها من حكم وما تستحقه من وصف ؛ وعند ذلك وصفوا ذلك الراوي بكلمة وجيزة تكون دلالة على حاله في الجملة لتكون أصلًا في أحاديثه ، فيلجأ إلى هذا الأصلِ الناقدُ الذي لم يتمكن - بعد البحث والتنقيب التامين اللذين يستفرغ فيهما جهده - من معرفة تفاصيل حديث بعينه من أحاديث ذلك الراوي ، فيحكم على ذلك الحديث بالضعف ، أي بهذا الحكم العام الأغلبي الأصلي ، لاضطراره إليه .
فالراوي الذي قالوا فيه: ( ضعيف ) ليس معنى قولهم هذا هو أنهم وجدوا كل أحاديثه ضعيفة فوصفوه بالضعف (1) ؛ بل معناه أنهم وجدوه روى أحاديث مستقيمة وأحاديث أخطأ فيها ، وأحاديث لم يتبين أمرها وهي محتملة ، فعلموا أنه إن كان لا بد من وصف حال هذا الراوي بكلمة واحدة أو بعبارة وجيزة ونحوهما فأعدل شيء في حقه هو هذا الاصطلاح ، أعني كلمة ( ضعيف ) وما يؤدي معناها (2)
(1) لا شك أن الراوي الذي كل أحاديثه ضعيفة إنما هو ضعيف جدًا ، أي متروك الحديث منكَرهُ .
(2) إن العلوم كلها نشأت أول مرة فروعًا وتفاصيل قبل أن تنشأ أصولًا عامة وقواعد جامعة ، ثم صاغ أهلُها أصولها ، بعد استقراء فروعها ، وذلك ليبدأ المتعلم في تعلمه بالأصول قبل الفروع لأن ذلك أسهل عليه وأنسب في تدرجه ، وكذلك ليقوم الحكم العام مقام الحكم على المسألية الجزئية عند تعذر معرفة حكمها الخاص بها .
وبعبارة أخرى فالتفاصيل سابقة للأحكام العامة في نشأتها ولا بد ، ولكن التفاصيل متأخرة عن الأحكام العامة والأصول الأغلبية في تعلم العلوم وذلك بمقتضى ما اختاره المعلمون لها .
وإن العلم لم يزل يضعف ولم تزل تفاصيله تغيب وتبتعد إلى أن كاد الناس أن يقتصروا من العلوم على أصولها مع ضرب أمثلة من الفروع ، ولذلك ألفتْ المختصرات وسادت وغلبت .
ومما أنبه عليه هنا هو أن تعميم المتأخرين الأصول العامة وندرة الاستثناء منها عندهم لم يكن في القواعد فقط بل كان في المصطلحات أيضًا .