نعم ، كيف يستقيم ذلك الاعتراض ويتجه ذلك الإنكار ونحن ما تعلمنا ضعف هذا الراوي إلا من ذلك الناقد ؛ أفيصح أن نخطّئ مَن علم من التفاصيل ما لم نعلم مجمله إلا منه؟! إن هذا لهو موضع المثل الشهير:
وكنت أعلمه الرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني
وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى بالعجائب .
وأذنْ لي أيها القارئ أن أكرر تكريرًا آخر - لأجل بيان أو توكيد هذا المعنى الخطير الذي صار غريبًا - فأقول: إن المبدأ وأصل الأصول عند أئمة العلل والتفصيل هي التفاصيل ، وإن أصل الأصول عند علماء القواعد والأصول هي تلك الأصول العامة والقواعد الواسعة عليها يجمدون وعنها يدافعون ؛ ولا يستوي هذان المنهجان ؛ وإن الإنكار على عالم العلل الذي ضعف راويًا وقَبِلَ - مع ذلك - بعض حديثه إنما هو يشبه من كل الوجوه أو من وجوه كثيرةٍ الإنكارَ على مدير المدرسة الذي حكم بفشل الطالب ورسوبه بأن ذلك الطالب قد نجح في بعض دروسه ، ولا شك أن مِثل هذا الإنكار باطل وظالم يدفعه العرف ويستسقمه العقل ، والله المستعان .
الفرق الثاني: وهو الفرق بين الطائفتين في مقدار الإصابة والخطأ في قواعدهما الكبرى وأصولهما العامة:
بين الطائفتين من هذه الحيثية فرق كبير ومباينةٌ بيِّنةٌ لمن تدبر شأن الطائفتين ، والأحكم هنا والأعلم والأسلم طريقةً من الطائفتين إنما هي الطائفة الأولى ، ودونك شَرْح ذلك:
إن الخطأ الذي وقعت فيه الطائفة الثانية لم يقف عند ما سبق ذكره ، وهو كثرة الجمود على القواعد والأصول حتى عند عدم الحاجة إليها ؛ وتقديمها على التفاصيل المغنية عنها والمتفوقة عليها حتى عند وضوح تلك التفاصيل ؛ بل تعداه إلى أمرٍ آخرَ ، هو أن بعض تلك القواعد والأصول التي إليها يستندون وعليها يجمدون تبيَّنَ أنها مرجوحة أو فيها خلل ، فلا تسلم أمام النقد والتحقيق ؛ وهذه أمثلة لما هو منتقَدٌ من أصولهم وقواعدهم .
المثال الأول: