المسألة الرابعة: ومما يبين النقصَ في علم الطائفة الثانية بالتفاصيل وأنها كانت فيه دون الطائفة الأولى التي كانت أحقَّ بها وأهلَها أنه قد ضاعت كثير من الأصول في العلل والجرح والتعديل ، فلم تطلها أيدي الطائفة الثانية ، فغاب عنها علمُها ، أو اعتمدت في جملة منها على الوسائط التي نَقَلت عنها ، وقد وقع في هذه الوسائط - في نقلها عن تلك الأصول - من الخلل والغلط والسقط والتصحيف ما وقع .
المسألة الخامسة: هناك جملة كبيرة من القواعد الفرعية والضوابط الجزئية التي اعتمدتها الطائفة الثانية ولكنها كانت فيها على غير نهج الاستقامة ، نظير ما وقع لها في حق القواعد الكلية ، وقد تقدم الكلام عليها ؛ مثل وصفهم جماعة من الرواة بالتدليس مع أن الذي وقع منهم إنما هو الإرسال الخفي فقط ، ومثل قولهم ( كل من روى عنه شعبة فهو ثقة ) أو قولهم ( أبو داود السجستاني لا يروي إلا عن ثقة ) وقولهم ( شيوخ البخاري في صحيحه كلهم ثقات ) .
المسألة السادسة: كثير من عبارات كتب العلل والرجال وكثير من إشاراتها وتنبيهاتها وتقييداتها لم يفهمها كثير من أهل الطائفة الثانية ، ولا سيما من تأخر منهم ، على الوجه الصحيح ، فأخطأ هؤلاء في تلقي تلك التفاصيل عن أصولها .
وأما الفرق الخامس:
وهو الفرق بين الطائفتين في مقدار القدرة على الاستقراء الصحيح ومقدار المكنة من التفريع الصحيح على ذلك الاستقراء ، ومدى التأهل للتطبيق الصحيح والاستنباط العميق والملاحظة الدقيقة ؛ فأقول في شرح هذا الفرق مستعينًا بالله:
هذا الفرق يتعلق بقوة الفهم ودقة الملاحظة وحسن تصور المسألة أكثر من تعلقه بأي شيء آخر ؛ ولبيان بعض حقيقة هذا الفرق أقول: