العالم لا يكون عالمًا إلا إذا كان عنده نصيب كاف من ثلاثة أنواع من القوة: قوة حافظة ، وقوة مستقرئة ، وقوة مستنبطة ؛ والعلماء يتفاوتون في علمهم بحسب تفاوتهم في هذه الأنواع الثلاثة من القوة الذهنية ؛ وبحسب همتهم وجدهم وحرصهم وصدقهم في الطلب ؛ ويبقى قبل ذلك كله - ومعه وبعده - توفيقُ الله تعالى .
وقد سبق الكلام في بعض هذه المسائل ، ولكن أريد أن أتكلم هنا على ما يتعلق بقوة الاستنباط والتفريع واستكشاف المخفي وقَيْسِ الغائب على الشاهد .
لا يختلف اثنان من أهل المعرفة والإنصاف أن من قرأ تراجم علماء العلل وجد فيهم نباهة عظيمة وذكاء يكاد يكون خارقًا للعادة ؛ وكذلك يتيقن ذلك من قرأ أجوبتهم على ما يُسألون عنه من الأحاديث ؛ أو طريقتهم في تعليلها والحكم عليها بما تستحقه من النعوت ؛ ومن أراد الوقوف على طرف من ذلك - من المتأهلين لفهم كلامهم ولو في الجملة - فليطالع ( العلل ) لابن أبي حاتم و ( العلل ومعرفة الرجال ) للإمام أحمد ودفاع ابن حجر عن منهج علامة العلل الإمام البخاري فيما كتبه - أعني ابن حجر - في ( فتح الباري ) ومقدمته ( هدي الساري ) من توجيهات لتصرفات البخاري في إيراده أحاديث أعلها بعض العلماء أو ذكروا أن غيرها ، مما لم يخرجه ، أصح منها ، أو في تركه إخراج بعض الرواة أو الأحاديث التي يظهر أنها على شرطه ؛ وكذلك بقية إشارات البخاري وتنبيهاته واختياراته وسائر مسالكه في كتابه ( الصحيح ) ومن ذلك طريقته في تبويبه وترتيبه واختصارِه وتهذيبِه .
ثم إن قوة الاستقراء وسرعته وصحته تأتي من قوة الحفظ وكثرة مدارسة المحفوظ والحرص على ترتيبه في الذهن بطريقة يسهل معها استحضار الحافظ لما يريد استحضاره عندما يريد ؛ ولقد كان لعلماء العلل من ذلك النصيبُ الأوفر بلا شك .