الصفحة 36 من 49

وعلى فرض تساوي رجلين من أهل العلم في قوة الحفظ وسعة المحفوظ ، وفي قوة الاستقراء وصحته ، فإن لنا أن نتصور أن بينهما فرقًا ما في قوة الاستنباط وسرعته وجودته وصحته فإن هذه المعاني الأربعة ونحوها إنما تستمد من قوة الذكاء وسرعة البديهة وكمال الحرص وحسن التصور للمسائل وصحة أصولها وقواعدها ومتانة تلك الأصول والقواعد وكثرة تفصيلها وتحليلها ، وسرعة استحضار تلك القواعد وتلك التفاصيل ، أعني القواعد والضوابط الفرعية فضلًا عن الأمهات ؛ والناس يتفاوتون في ذلك تفاوتًا لا ينحصر .

وهؤلاء العلماء المبرزون في معرفة الأحاديث وعللها كان أمرهم في هذه المسائل عجبًا ؛ فراجع تراجمهم في أي كتاب من كتب تواريخ المحدثين غير المختصرة - ولتأخذ مثالًا على ذلك ( تذكرة الحفاظ ) للحافظ الذهبي - لتقف على بعض ما وَصف المحدثون والمؤرخون به هذه الطائفة من أهل العلم بالحديث ، أعني الطائفة الأولى ، طائفة التفصيل والتعليل ؛ فهل تجد في الطائفة الثانية كبير أحد ممن يدانيهم في ذلك ؛ اللهم إلا عالمًا تخاله أنت من الثانية وهو في الحقيقة من الأولى أو هو إليها أقرب .

ومن انحراف أو قصور الطائفة الثانية في الاستقراء أنها تقوم - في كثير من الأحيان - عند استقراء أحاديث الراوي باستقراء كل ما روي عنه وتتوسع في بناء الحكم على أساس من تلك المرويات ، مع احتمال أن كثيرًا من ذلك المروي لا يصح عن ذلك الراوي ، وإنما يكون قد أَخطأَ عليه فيه الرواةُ عنه ، عمدًا أو وهمًا ، وبذلك تختلف الأحكام على الرواة بين الطائفتين ؛ وأما الطائفة الأولى فهي في هذا الباب - بل وسائر أبواب النقد - أكثر علمًا وأدق فهمًا وأكمل تثبتًا وأعمق وأبعد نظرًا ؛ فلا تعتبر حال الراوي إلا بما ترى أنه قد ثبت أنه رواه ، دون ما روي عنه مما لم يثبت إسناده إليه .

الفرق السادس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت