الفرق السادس بين طائفة العلل والتفاصيل وطائفة الجمل والأصول العامة هو الفرق بينهما من جهة الجرأة والورع في نقد الأحاديث .
والطائفة الثانية - في الجملة - أجرأ في النقد والإفتاء بلا نزاع ، وذلك راجع إلى أمور أهمها هذه الثلاثة:
الأول: أن المتأخرين في جملتهم أجرأ على الافتاء والحكم والكلام في مسائل الدين من المتأخرين ، فانسحب ذلك على الكلام في علم الحديث .
الثاني: أن علم الحديث لم يعد شأنه بين المتأخرين عظيمًا كشأنه بين المتقدمين فأولئك كانوا وقافين عند كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا ردونه بشبه وحجج واهية ، ولا يؤولونه ولا يحملونه ما لا يحتمل ولا يقدمون عليه شيئًا من القواعد المنطقية والأصول العقلية ، فاضطرهم ذلك التعظيم له إلى تعظيم نقد المرويات الحديثية والشعور بخطورة المسألة ، ولم يكن شأن المتأخرين في ذلك كذلك ، فهان عليهم هذا العلم الذي كان كثير منهم يتعلمه للدفاع عن مذهبه الفقهي الذي يتعصب له أو لتكتمل عنده العلوم الشرعية ( بزعمه ) أو لمقاصد أخرى ، بل كان منهم من يحفظ أو يقرأ صحيح البخاري للتبرك به فقط ! وأما العمل به فيقول: فقهاؤنا الذين قلدناهم أعلم بالحديث منا فلماذا ندرس هذا العلم أو نبني عليه ، بل قد يقول: هم أعلم بالحديث ومعانيه من البخاري فليس بنا حاجة إلى علم البخاري ! .
الثالث: أنه كلما قل علم الإنسان - من غير العلماء المحققين العاملين - في باب من أبواب العلم ازدادت جرأته على الخوض فيه والكلام في مسائله ، وهذا من عجائب طبائع الناس ، فالمتأخرون قل نصيبهم من علم الحديث وعلله فزاد - تبعًا لذلك - حظهم من الجرأة فيه .
وبسبب ما تقدم صار المتأخرون يعدون نقد الحديث شيئًا سهلًا يتيسر لكثير من الطلبة والشداة الراغبين ؛ ولو قل عناؤهم في هذا الفن ونزر نصيبهم من فهمه .
الفرق السابع:
هذا الفرق راجع إلى الاجتهاد والتقليد في نقد الأحاديث .