المتقدمون من نقاد الآثار هم في جملتهم أهل اجتهاد ، أو هم إليه أقرب ، والمتأخرون من المحدثين والمشتغلين بالحديث هم في جملتهم أهل تقليد ، أو هم إليه أقرب ؛ ولا ريب أن المجتهد يكون أبصر في فنه وأعلم به وأقدر على كشف ما يلتبس من مسائله ويُشكل من قضاياه ، والمجتهدون هم العلماء على الحقيقة ، وأما المقلدون فالمقلد ليس بعالمٍ حال تقليده ، نعم يتفاوت المقلدون في طريقة تقليدهم وطريقة اختيارهم لمن يقلدونه ومقدار المسائل التي يقلدون فيها ، ولكن التقليد في أصله ليس بعلمٍ ولا هو مرتبة كمال ، وإنما هو أمر يُصار إليه للحاجة وله شروط وآداب مذكورة في مواضعها من كتب العلماء .
وهذا الفرق يدلك - وحده فكيف وقد اجتمع إليه كل ما تقدم من الفروق - على أن الثقة بعلم الأئمة لمتقدمين أكبر منها بكثير من علم المتأخرين ، وأنه لا بد من ترجيح طريقتهم وتصحيح منهاجهم والسير على آثارهم والنسج - عند القدرة - على منوالهم ، والله الموفق .
وأريد أن أنبه في ختام هذا البحث إلى مسائل أستدفع بها ما قد يقع من أن يُفهم بعضُ كلامي المتقدم فهمًا مغلوطًا فيه فأقول:
إن ما ورد من تعبيري عن الطائفة الثانية بكلمة ( المتأخرين ) وغيرها من التسميات المرادفة لهذه الكلمة أو المقاربة لها ، ليس معناه أن كل المتأخرين مقصرون كثيرًا ومخالفون مخالفات بينة لمنهج المتقدمين ، ولكنها أسماء تغليبية أو اصطلاحية ألجأني إليها إرادة اختصار العبارة .
وأيضًا ليس معنى هذا البحث أنه لا ينتفع بعلم المتأخرين ، بل لقد دعا كثير من المتأخرين والمعاصرين إلى منهج المتقدمين ومشى كثير منهم أحيانًا على طريقتهم في نقد الأحاديث ، ولا يُستغنى بحال من الأحوال عن جهود المتأخرين والمعاصرين في خدمة هذا العلم ولا سيما جمعهم لأشتاته ومتفرقاته ونقلهم لعلوم المتقدمين وتحقيقها ، ولكن الحَكَم أولًا وآخرًا هو الحَكَم العدل أعني منهج المتقدمين .