وكذلك ليس معنى الثناء على منهج المتقدمين في الجملة أنهم معصومون أو أنهم لا يختلفون ، بل هو ثناء إجمالي وتزكية عامة ، إنه ثناء على منهجهم وأصوله ، وليس تصحيحًا لكل حُكم قالوه ، وهذا مما لا يخفى ولكني نبهت عليه احتياطًا ، والله المستعان .
إنَّ جَعْل العلم في أصول عامة وضوابط جامعة ليس بدعة ولا خطأً ، بل هو شيء مطلوب ونافع ، ولكن الخطأ والانحراف عن سَنن السلف في هذا الباب إنما يكون بالاستغناء بتلك الأصول والضوابط عن تفاصيل المسائل الداخلة فيها واستثناءاتها .
ليس من هذا الباب أعني ذم الاستناد الكلي إلى القواعد والأصول الأخذ بضوابط المحدثين الاستقرائية المنضبطة كقولهم ( لا يصح في هذا الباب حديث ) ، أو: ( لا يصح فيه إلا حديثان ) ، وقولهم ( كل من اسمه فلان فهو ضعيف ) ، وقولهم ( كل ما رواه زيد عن عمرو فهو مسموع له منه ) ؛ فهذه ونحوها أصول استقرائية منضبطة وليست أصولًا تقريبية إجمالية .
انتهت هذه المقدمة التأصيلية ، ولكن قبل أن أبدأ بذكر التعاريف ومعاني المصطلحات أريد أن أذكر هنا أمرين اثنين - فلست أرضى أن يفوتني ذكرهما في مثل هذا الكتاب:
أما أولهما فتحذير من يُطلب حذرهم من بعض طلبة العلم وشُداته ومحبيه من أن يدخلوا فيما لا قِبل لهم به أو يتسورا ما لا يصلونه أو لا يثبتون عليه أو يدخلوا بآرائهم أو أهوائهم أو غرورهم بما هم دونه بمراتب ، أو بما هو ليس من فنهم اصلًا ، مع بيان سوء مآل هذا الأمر وشدة ضرره .
وأما ثانيهما فتحذير من الطعن في الناس ولا سيما من كان من العلماء وطلبة العلم ودعاة السنة ونحوهم ، بغير حق ولا حكمة ، وأنه يجب أن نفرق بين التحذير المشروع والغيبة المحرمة ، ويجب كذلك أن نفْصل بين النصيحة والتعيير ، ويجب قبل ذلك أن نميز التحذير المتضمن لمفسدة راجحة من التحذير المتضمن لمصلحة راجحة ، ويجب قبل هذا كله أن نفرق بين ما أُريد به وجه الله وما أريد به غيرُه .