فهذا وعيدٌ لمن نقل عن نبيه ما لم يقله (1) ، مع غلبة الظن أنه ما قاله ، فكيف حالُ من تهجَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعمد عليه الكذب ، وقوَّله ما لم يقل ؛ وقد قال عليه السلام: > (2)
(1) قلت: ويدخل في هذا الحكم كذلك من صحح في نقده حديثًا غير صحيح ، تلاعبًا أو تهاونًا ، أو تعالمًا ، وأما العلماء المجتهدون الصادقون المتثبتون الورعون فخطؤهم مغفور بل مأجور ، بإذن الله .
(2) أخرجه مسلم في مقدمة ( صحيحه ) في ( باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين والتحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقال:( واعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين: أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه ، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع .
والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه: قولُ الله جل ذكره"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" [الحجرات: 6] ؛ وقال جل ثناؤه:"ممن ترضون من الشهداء"؛ وقال عز وجل:"وأشهدوا ذوي عدل منكم" [الطلاق: 2] ؛ فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق مقبولٌ وأن شهادة غير العدل مردودة ؛ والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما ، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول ثم أهل العلم ، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم ؛ ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار ، كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق ، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"؛ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب ؛ ح ؛ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أيضًا حدثنا وكيع ، عن شعبة وسفيان ، عن حبيب عن ميمون بن أبي شَبيب عن المغيرة بن شعبة: قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ).
قال ابن الصلاح في ( صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط ) ( ص118-119 ) :( ذكر مسلم من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"؛ فوجدته بخط الحافظ الضابط أبي عامر محمد بن سعدون العبدري رحمه الله ها هنا مضبوطًا يُرى ، بضم الياء ، و"الكاذِبِين"على الجمع ؛ ووجدت عن القاضي الحافظ المصنف أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي أنه قال: الرواية فيه عندنا"الكاذِبِين"، على الجميع ؛ قلت: رواه الحافظ الكبير أبو نعيم الأصبهاني في كتابه"المستخرج على كتاب مسلم"في حديث سمرة بن جندب"الكاذبَين"، على التثنية فحسب ؛ واحتج به على أن الراوي لذلك يشارك في الكذب مَن بدأ بالكذب عليه صلى الله عليه وسلم ؛ وفي هذا تفسيرٌ منه لمعنى التثنية حسنٌ ؛ ثم ذكره في روايته إياه من حديث المغيرة بن شعبة"فهو أحد الكاذِبَين أو الكاذبِين ، على الترديد بين التثنية والجمع ؛ ووجدت ذلك مضبوطًا محققًا في أصل مأخوذ عن أبي نعيم مسموعًا عليه مكررًا في موضعين من كتابه ؛ وقدَّم في الترديد التثنية في الذكر ؛ وهذه فائدة عالية غالية ولله الحمد الأكمل ."
وأما الضم في"يُرى"فهو مبني على ما اشتهر من أنه بالضم يستعمل في الظن والحُسبان ، وبالفتح في العلم ورؤية العين ؛ وفي حفظي أنه قد يستعمل بالفتح بمعنى الظن أيضًا ، كما يُستعمل العلم بمعنى الظن ) .