فإنا لله ، وإنا إليه راجعون ؛ ما ذي إلا بليّة عظيمة وخطر شديد ممن يروي الأباطيل والأحاديث الساقطة المتهم نقَلَتُها بالكذب .
فحق على المحدث أن يتورع فيما يؤديه ، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته .
ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرّحهم جهبذًا (1) ، إلا بإدمان الطلب ، والفحص عن هذا الشأن ، وكثرة المذاكرة والسهر ، والتيقظ والفهم ، مع التقوى والدين المتين والإنصاف ، والتردد إلى مجالس العلماء ، والتحري والإتقان ؛ وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها***ولو سوَّدت وجهَك بالمداد
قال الله تعالى ، عزَّ وجلَّ: ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (2) .
فإن آنست يا هذا مِن نفسك فهمًا وصدقًا ودينًا وورعًا ، وإلا فلا تتعنَّ .
وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأيٍ ولمذهب ، فبالله لا تتعب .
وإن عرفتَ أنكَ مخلِّطٌ مخبِّطٌ مهملٌ لحدود الله ، فأَرِحْنا منك ، فبعدَ قليلٍ ينكشف البهرج وينكب الزغل ، ولا يحيق المكرُ السيء إلا بأهله .
فقد نصحتُك ؛ فعلم الحديث صلفٌ ، فأينَ علمُ الحديث ؟! وأين أهلُه ؟! كدت أن لا أراهم إلا في كتابٍ أو تحتَ تراب ) ؛ انتهت هذه النصيحة الذهبية في نسبها ومعناها .
(1) الجهبذ كلمة معربة جمعها جهابذة ؛ ومعناها النقاد الخبير بغوامض الأمور .
(2) النحل ( 43 ) والأنبياء ( 7 ) .