وللأديب النقادة أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي البصري المتوفى في عام ( 370هـ ) في كتابه ( الموازنة بين الطائيين أبي تمام والبحتري ) ( ص372-375 ) كلام نفيس قيم ماتع في بيان شروط طلبة النقد الأدبي ونحوها ، ومعظم ذلك الكلام يصلح أن يمشي على ضوئه أو ينتفع به كل طالب علم في هذه الأعصر ، بل ما أليق معاني كلامه ذاك بمن أراد أن يشارك في علم الحديث خاصةً ويدخل فيه ؛ وسأنقل لك أواخره ولولا تجنب الإطالة لنقلته كله ؛ قال:
( ثم إني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررتَ بأن شارفتَ شيئًا من تقسيمات المنطق ، وجُملًا من الكلام والجدال ، أو علمْتَ أبوابًا من الحلال والحرام ، أو حفظتَ صَدْرًا من اللغة ، أو اطلعتَ على بعض مقاييس العربية ؛ وأنك لما أخذتَ بطَرَف نوع من هذه الأنواع معاناةً ومزاولةً ومتَّصِلَ عنايةٍ ، فتوحدتَ فيه ومُيِّزتَ: ظننتَ أن كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى ، وأنك متى تعرضتَ له وأمررتَ قَريحتكَ عليه نفذَتْ فيه ، وكشفتْ لك عن معانيه ؛ وهيهات! لقد ظننتَ باطلًا ورمتَ عسيرًا ، لأن العلم - أيَّ نوعٍ كان - لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه والإكباب عليه والجد فيه والحرص على معرفة أسراره وغوامضه ؛ ثم قد يتأتى جنس من العلوم لطالبه ويتسهل عليه ، ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر ؛ لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبولُه ، وما في طاقته تعلُّمُه ؛ فينبغي - أصلحك الله - أن تقفَ حيث وُقفَ بك ، وتقنعَ بما قُسِمَ لك ، ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا من صناعتك ) .
ودخول الإنسان في علم لا يحسنه ومزاحمته أهله أمر قبيح الصفة عظيم الضرر ، ولم يزل الائمة يحذّرون الناس ذلك ويسترسلون في بيان ضرره ، وسأنتقي من كلماتهم بعض ما تيسر: