الصفحة 48 من 49

ولعمر الحق ! إنه لو تركت سَورة الجهل على حالها تشتدّ وتثور ، لا يبعد غدًا أن يقوم رجل منّا فيقول: أنْ لا قضاء في الإسلام ، فيجوز لكل أحد من الناس أنْ يدلي برأيه في القانون ، ولو لم يكن يعرف منه الألف والباء .

ويقوم بعده رجل آخر ويعلن: أنْ لا هندسة في الإسلام ، فمِن حق كل رجل أن يتكلّم في الهندسة ، ولو لم يكن على أدنى معرفة بمبادئها .

ثم يقوم بعده رجل ثالث ، ويعلن: أنْ ليس هناك حاجة إلى حذق في مهنة الطب ، فيشرع في معالجة المرضى ومداواتهم من غير أن يكون على صلة بالطب .

وليت شعري ! ماالذي جعل هؤلاء يُمعنون في السفاهة ، وتسوّل لهم نفوسهم أن يُخادعوا الأمة ، ويظنّونها مُصَدّقة لآرائهم الواهية ، وأقوالهم الباطلة ؟! .

نعم لا جرم أنه لا كهنوتيّة في الإسلام ، ولكن هل يعلم هؤلاء اليوم ما معنى ذلك ؟! .

إنما معناه: أنّ الإسلام ليس كاليهوديّة ، حتى ينحصر فيه علم الشريعة والقيام على الخدمات الدينية في سبط من الأسباط ، أو قبيلة من القبائل ؛ ولم يفرق فيه كما في المسيحية - بين الدين والدنيا ، فتكون الدنيا للقياصرة ، ويكون الدين للرهبان والأحبار .

ولا ريب - كذلك - أنْ لا اختصاص لأحد بتفسير القرآن والسنّة والشريعة ، وأنه لا ينحصر العلماء في سلالة خاصة من السلالات ، أو أسرة معينة من الأسَر ، فلا يكون إلا لأفرادها يتوارثونه كابرًا عن كابر ، ولهم وحدهم أن يتحدثوا باسم الدِّين ، ويجتهدوا في تعاليمه دون سائر المسلمين .

فكما أنه من الممكن لكل أحد من الناس أن يكون محاميًا إذا درَس القانون ، أومهندسًا إذا درس الهندسة أو طبيبًا إذا درس الطبّ ، فكذلك يجوز في الإسلام لكل فرد من أفراد المسلمين إذا درس القرآن والسنّة ، وصرَف جانبًا من أوقاته وجهوده في تلقي علمهما: أن يتكلم في مسائل الشريعة .

وهذا هو المعنى الصحيح المعقول إنْ كان هناك معنى لانعدام الكهنوتية في الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت