ومن الأخطاء التربوية التي يقع فيها الغلاة وغيرهم إقحام الشباب وحدثاء العهد بالاستقامة في مسائل التبديع ونقد المخالفين والعلماء والدعاة [1] ، الأمر الذي يؤدي إلى تشكيكهم في أهل العلم والدين الجارحين والمجروحين على حد سواء [2] ، كما يؤدي إلى إصابتهم بداء الغرور والتعالم ، فإذا خاض أحدهم في هذه القضايا سماعا وقراءة وتكلما لا يزال العلماء والدعاة يصغرون في عينه، ولا يزال يرى نفسه تعلو مكانتها يوما بعد يوم، كيف وهو يرى العلماء والدعاة يُخطِئُون ويَبتَدِعُون ، وهو سالم من ذلك ، بل قد صار أبصر منهم وأعلم لأنهم يُخطِئُون وهو لا يُخطِئ ، وكثير منهم تتطلع نفسه بعد استحكام المرض فيها إلى رتبة الاجتهاد في الجرح، فيقلب النظر فيمن حوله من دعاة وأئمة لعله يجد لهم أخطاء أو بدعا يرفعها إلى شيوخه لينال الشهادة والتزكية وينخرط بذلك في سلك حماة السنة [3] .
(1) / وقد عد الشاطبي رحمه الله من يتبجح بذكر المسائل العلمية لمن ليس من أهلها أو ذكر كبار المسائل لمن لا يحتمل عقله إلا صغارها مخالفا للتربية المشروعة وموقعا في مصائب، انظر الموافقات (1/87) .
(2) / والشك في المجروحين المتكلم فيهم هو الأكثر وقوعا لقلة المروءة في أهل الزمان.
(3) / وكثير منهم يستقل عن شيوخه الذين علموه هذا الغلو، بل وينقلبون عليهم ليحوزوا منزلتهم، وأصبح كثير منهم يشكل وسيلة ضغط على مشايخهم،"إما تجرحون من نريد أو نرفع أقوالكم وتصرفاتكم إلى من يسقطكم"، وفي الواقع شهادات لا تحصر على هذه الحقيقة المرة.