فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 56

فقوله فالنار تأكل إلخ مركب مستعمل في غير ما وضع للدلالة على معناه إذ هو الآن مستعمل في معنى أن الحسود يرجع وبال حسده عليه ولا يضر به إلا نفسه كالنار تأكل نفسها إذا تركت ولم يلق فيها شيء تحرقه [1] وكذلك قولهم انتهز الفرصة شبه هيئة المبادر للفعل بالمبادر لنوبة شرب الماء، والاستعارة التمثيلية تتفرع عن التشبيه المركب المتقدم ذكره.

هذا والبلغاء يتفننون فيأتون مع الاستعارة بما يناسب المعنى المستعار إغراقًا في الخيال فيسمى ذلك ترشيحًا نحو قول زهير:

لدي أسدشاكي السلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلم

فقوله له لبد أظفاره لم تقلم ترشيحان، وقول النابغة:

وبنو سوآءة لا محالة إنهم ... آتوك غير مقلمي الأظفار

وقد يأتون مع الاستعارة بما يناسب المعنى المستعار له إغراقًا في الخيال أيضًا بدعوى أن المشبه قد اتحد بالمشبه به فصارا حقيقة واحدة حتى أن الأسد يحمل بيده سيفًا في قوله لدي أسد شاكي السلاح وحتى أن ريح الشمال تمسك بيدها زمامًا في قوله (( بيد الشَّمال زمامها ) )ويسمون ذلك تجريدًا لأن الاستعارة جردت عن دعوى التشبيه إلى الحكم بالاتحاد والتشابه التام ويكون ذلك مع المصرحة والمكنية كما علمته في المصرحة، وأما المكنية فإن ما يذكر من لوازم المشبه به صالح أبدًا ليكون ترشيحًا فكل من التجريد والترشيح إكمال للاستعارة وإغراق في الخيال ومن ثم لم يمتنع الجمع بينهما في كثير من كلامهم كما في بيت زهير المتقدم.

(1) ويقاس على هذا المثال غيره واعلم أن كل تشبيه وجهه مركب من متعدد يصير استعارة تمثيلية بأن تحذف أداة التشبيه وتستعير المركب المشبه به للمعنى المشبه كما تعمد إلى بيت بشار فتصيره (( فسقطت شهبنا عليهم في ليل القتام ) )وكما تقول (( فالتهمتهم نيران الرماح ولها في دخان الغبار اضطرام ) )وبذلك تكثر لديك أمثلة صالحة للتمثيلية التي لم يكثروا لها التمثيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت