وعلى هذا فإن عبارات الجرح والتعديل مجتمعة إما أن تكون على سبيل المدح التام كقولهم: فلان حجة ، ثقة ، لا يسأل عن مثله ، أو الذم التام كقولهم: فلان كذاب ، ساقط سيِّئ الحفظ ، على تفاوت هذه الألفاظ في دلالتها ومراتبها ... وهذا بالنظر لتوفر أو فقدان شرط العدالة أو الضبط أو كليهما بالكلية ، وقد لا تكون العدالة الباطنة للراوي معروفة مع قلة الرواة عنه ، ولم يثبت فيه للنقاد مطعن ، فمثل هذا لم تعرف عدالته إلا جزئيا ، ولا توثيقه بشكل يذهب الريبة ، فمثل هذا وسط بين المدح والذم ،وهو الذي سماه الحافظ بن حجر بالمستور . وهذا يعني أن الحكم على الرواة بالنظر إلى هذه الأوصاف محكوم بطبيعة كل وصف بعينه ، فهناك عبارات يحكم النقاد بقبول رواية من تطلق عليهم ما لم يمنع من ذلك مانع كالثقة ، فمثل هذا تقبل روايته ولو تفرد ما لم يخالف من هو أوثق منه ، أي أنه إن زال المانع فالاحتجاج بروايته مطلق . ويقابله رد من ذكر بالجرح التام مثلا كالكذاب والمتهم ، بحيث لا تقبل له رواية بحال . وأما ما ذكر بخفاء الحال ، وعدم التثبيت من توثيقه كالمستور مثلا ، فهذا وأشباهه تقبل روايتهم عند المتابعة ، لأن المستور ومن كان مثله أو قريبا منه ليس بأهل للتفرد ، ولا يمكن الركون إليه ما لم يشاركه في الرواية من هو مثله أو أحسن منه وهذا هو راوي الحديث الحسن لغيره ، أي أنه ضعيف يجبر بغيره عند وروده من جهة أخرى .
مصطلحات الجرح والتعديل بالنظر إلى دلالة الاستخدام
بينا أن من ميزات مصطلحات الجرح والتعديل الاختصار الشديد ، بحيث لو أمكن العدول عن العبارة إلى الكلمة ما تردد عامة النقاد في ذلك (1)
(لعل أبرز من مال إلى التفصيل في هذا ابن حبان في: المجروحين ، وابن عدي في الكامل ، حيث كانا يستغرقان في بعض التراجم السطر والسطرين من وصفهم لحال بعض الرواة . لاحظ مثلًا: المجروحون 1/ 173 ، 183 ، 212. الكامل 2/ 527- 528، 562 ، 578 . )
وحسن توظيف هذه الألفاظ بالنظر إلى تحرير المراد منها . وقد استفاد النقاد مما تمتعت به لغة القرآن الكريم من اتساع وشمول وقدرة على توصيل المعاني إلى أعماق النفس ، من خلال حسن الصياغة ... فكانت هذه العبارات أو الألفاظ غاية في الدقة ووضوح الدلالة . وقد روعي في تحديد ذلك المعنى اللغوي ، والاصطلاحي ، ولعل من الأمثلة الدالة على ذلك قولهم فلان ؛ له مناكير ، أو يروي المناكير ، أو أحاديثه مناكير أو منكر الحديث ، فهذه عبارات أربع لكل منها مفهوم لغوي قد تستوي في معناه مع عبارة أخرى في الظاهر لكن التدقيق في هذه المعاني يوضح الفرق على لطافته .
(1) لعل أبرز من مال إلى التفصيل في هذا ابن حبان في: المجروحين ، وابن عدي في الكامل ، حيث كانا يستغرقان في بعض التراجم السطر والسطرين من وصفهم لحال بعض الرواة . لاحظ مثلا: المجروحون 1/173 ، 183 ، 212. الكامل 2/527 - 528، 562 ، 578 .