الصفحة 29 من 39

بهم فيهما اجتماعًا وانفرادًا ، مع أنه قد وجد فيهم من تكلم فيه . قال السخاوي: ولكن كان الحافظ أبو الحسن بن الفضل شيخ شيوخنا يقول فيهم: إنهم جاوزوا القنطرة ، يعني أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيهم ، ثم ذكر عن ابن دقيق العيد تأكيده لذلك ، ووافقه الحافظ ابن حجر عليه . ( السخاوي فتح المغيث 1/297 ) .

أما من لم يسلموا من الطعن من رواة الصحيحين ، فهذا كله محمول على أنه لم يثبت جرحهم بشرطه فإن الجرح لا يثبت إلا مفسرًا مبين السبب عند الجمهور . وهذا هو مذهب البخاري ومسلم عند تعارض الجرح والتعديل في الرواة ( الخطيب ، الكفاية / 179 ) وهو في النهاية مصير منهما إلى توثيق من رويا عنه في الجملة .

ويبقي أخيرًا أن نوضح أن هناك فرقا بين رواية الحديث عن الراوي الضعيف وكتبها . ذلك أن الكتابة لا تحتمل معنى التعديل على الوجه الذي هو في الرواية ، وقد تكون الكتابة من أجل التشهير بالراوي وبيان عجائبه ، أي أنها تكتب لا لأن تروى ، ولكن كشاهد ... وما أكثر ما روى الكبار حديث مثل هؤلاء ولم يحدثوا بها كالإِمام أحمد الذي أسقط من المسند كثيرين لم يخرج فيه عنهم لهذا السبب . ولما ذكر ابن معين هذه الأحاديث قال ساخرًا سجرنا بها التنور ( ابن رجب ، شرح العلل 111 ) . لكن إن كانت هذه الرويات المكتوبة عن ضعفاء يمكن جبر ضعفهم لسوء حفظ وما شاكله من مظاهر عدم الضبط الأخرى فإن الغرض منه هو الاعتبار والمتابعة .

ويقابل هذا التجريح بترك الرواية عن الراوي جملة ، وخاصة حين يتبين للنقاد مبلغ ضعفه . والترك من أبلغ الجرح ، وعادة ما يكون بعد سبر مرويات الراوي ، والاطلاع على حاله ، وربما كان ذلك بعد قبول الرواية عنه أو كتابة حديثه ، ثم يظهر من حاله عدالة أو ضبطًا ما يسوغ أو يوجب عند بعضهم ترك الرواية عنه ، كترك ابن المبارك لعمرو بن ثابت الكوفي وقد روى الموضوعات ( الذهبي ميزان 1/488 ) كما ترك آخرين ( ابن رجب ، شرح العلل 92/93 ) .

وتحسن الإِشارة هنا إلى التفريق بين من يقال فيه متروك الحديث ، ومن يقال فيه تركه فلان لأن متروك الحديث وصف يفيد الديمومة ، وأن عامة النقاد قد تركوا روايته ، ولا يصدق هذا على من قيل فيه تركه فلان ، فقد يتركه ناقد لاعتبار ولا يتركه آخرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت