الصفحة 6 من 39

بهذا المفهوم من مصالح عامة ، ألا ترى أثر العدالة في ميدان القضاة ، من حيث طبيعة العمل الذي تؤديه في إحقاق الحق وإبطال الباطل في الشهادة ؟ وقد يقال في هذا المقام كلام كثير .. غير أن ما يعنينا بيان أثر الصلاح على النفس من جهة الالتزام بصدق القول ، ونقل المنقول منه ، ولا تخفى أهمية الصدق في مجال تحرير وتوثيق العلوم النقلية ، فإذا كان هذا مهمًّا في صحة نسبة هذا البيت من الشعر ، أو المثل لقائله ، فما بالك بمن يتولى نقل حديث النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

إن أهمية هذه القضية تنبع من عدة أمور ذكر بعضها ، ويكفي أن يكون الصدق يهدي إلى البر كما ورد في الحديث الصحيح ( مسلم 16/160 ) ، والبر يهدي إلى الجنة .... فلكل هذا كانت عناية الإِسلام بالغة في تأكيد أهمية الصدق وضرورة الالتزام به ، فكان هذا المنهج وخاصة في المنقولات يمثل معلمًا بارزًا من معالم الفكر الإِسلامي ، وأحد مقومات الشخصية الإِسلامية ، وهذا التأكيد واضح صريح فيما صح عنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلى ضرورة التثبت والتواثق والالتزام بصدق النقل كما هو في قوله:"نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ ، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" ( أحمد ، المسند 5/183 ) ، فقوله: < فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ > يوحي أهمية الحفاظ على سلامة المنقول من غير تبديل ، وهذا المعنى أظهر من غيره على فرض وجود المخالفة في الفهم ، ويستوي مع غيره على أقل تقدير .

لقد جاء تأكيد الإِسلام هذا في وقت كان العرب يلتزمون بالصدق فيه إلى حد كبير ، وكان العربي يجد نجاته في الكذب أحيانًا فلا يكذب ، ولعل من شواهد هذا الالتزام ما جاء في حديث أبي سفيان مع هرقل بعد البعثة ، حيث فكر في ذكر غير الواقع في إجابته عن أسئلة وجهت إليه من هرقل حول الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يكن بعد قد أسلم ، غير أنه خشي أن تعهد العرب عنه كذبًا ( البخاري الصحيح 5/1 ) ثم إن الفرق الإِسلامية التي ظهرت بعد ، وكان روادها من العرب الخلص كالخوارج مثلا ، لم نجد فيهم من نسب إليه الكذب ، ولم يصح عنهم في ذلك شيء ، صحيح أن ذلك بأثر من الدين ، لكن في الوقت ذاته أميل إلى أن الطبيعة العربية الخالصة كانت تمج الكذب وتحترز منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت