إن هذا المنطلق كان له شأن كبير في عالم الرواية ، بالنظر إلى الأثر الذي ترتب عليه ، وهذا ما أكده علماء الحديث فيما دونوه في كتبهم من جزئيات تتعلق بالعدالة ، لعل من أهمها: معنى العدالة ، وسبيل إثبات العدالة ، ومدى أهلية المبتدع للرواية .
على اعتبار أن المبتدع ربما كذب أو استحل الكذب - وأهلية التائب من الكذب في حديث الناس ، وغيره من أسباب الفسق . على أن جزئيات هذا الموضوع إنما بحثها أهل الحديث في ميدان العدالة بمفهومها الأعم، وأعني به حد العدالة في اصطلاح كثيرين من النقاد ، وهو المرادف لمفهوم التوثيق .
بمعنى أنهم أضافوا إلى ما قلناه من اشتراط الصدق والورع والضبط وهو ما سنبينه في حينه إن شاء اللَّه . أي أن العدالة بهذا المفهوم الأخير هي نقيض الجرح ، فكما أن الجرح يعني نفي العدالة - أي الصلاح - والضبط ، فكذا التعديل يتضمن المعنيين معًا ، ومن أمثلة هذا المفهوم مما هو مبسوط في كتب القوم مثلا: هل التعديل مقبول من غير ذكر سببه ؟ وما العمل عند تعارض الجرح والتعديل ؟ وهل يجزئ التعديل على الإِبهام من غير تسمية المعدل ؟!
بقي أن يقال: أن كلمة العدل في اصطلاح القوم تعني التلازم بين صفتين بحيث لا تقبل إحداهما في الراوي دون الأخرى ؛ الصلاح ، والقدرة على حفظ المروي ، واستحضاره عند التحديث به ، وهو الضبط ، وهذه الكلمة بهذه الصفة تسوي مع مصطلحات كثيرة من مصطلحات التوثيق ، قد عدَّها الحافظ ابن حجر في مرتبة من يقال فيه: ثقة ، أو متقن ، أو ثبت ، وهي المرتبة الثالثة من مراتب التعديل ( ابن حجر ، تقريب ص74 ) ، فهي بهذه الصفة مرتبة من يحتج به ، وهذا من أرفع التعديل . ولما فسَّر ابن حبان معنى العدل أكد هذا بقوله: فأما من كان يخطئ في الشيء اليسير فهو عدل ، وهو مما لا ينفك عنه البشر ( المجروحون 2/283/284 ) . وقد ترد هذه الكلمة مجردة ومقرونة ، كأن يقال: فلان عدل في الحديث ، أو عدل حافظ ( العراقي ، تبصرة 2/4 ) ، أو عدل ضابط ( السخاوي ، فتح المغيث 1/365 ) . وهذا الأخير أكثر عند المحدثين ، وقلما رأيت من أفردها عند حديثه في مراتب الجرح والتعديل ، وحتى في