مجال النقد للرواة . إلا ما ذكر عن الحافظ ابن حجر ، وهذا يفيد ولو ظاهرًا أن العدل في مثل الاستخدام ينصرف إلى معنى الورع دون غيره ، فاحتاج بصفته توثيق إلى وصف آخر يقترن به .
ومما ينبغي ملاحظته أيضًا أن الجمع بين العدالة والحفظ في إطلاقات بعض المحدثين ، أبلغ منه في التوثيق من ذكر الحفظ مجردًا عن العدالة ، وهو ما يفهم من صنيع الحافظ ابن حجر حيث جعل العدل من غير تكرار رتبة ثالثة ، كالثقة ، وأما ما كرر لفظًا أو معنى كالعدل الثقة رتبة أعلى . وهذا بالطبع على رأي من عَدَّها مصطلح توثيق ، وأما من فهمها أو استخدمها بمفهومها الأخلاقي فهي عنده مع الحفظ تستوي مع قولهم فلان ثقة ، أو ثبت ، ولا يرى فيهما معنى زائدًا على ذلك ، وعلى ذلك أكثر المحققين من أهل الحديث .
ثم إن هناك جانبًا مهمًّا يحسن التذكير به ، وهو أن ثبوت العدالة يقضي بمعرفة شخص الراوي المعدَّل ذاته ، من حيث الاسم والشهرة وما يلزم ذكره من مؤهلات التعريف ، إضافة إلى ما سبق ذكره . أما إن خفيت عين الراوي ، ولم يشتهر بطلب الحديث ، ولم ينشط لتحصيله أو نشره ولم يرو عنه بالتالي سوى واحد بحديث أو حديثين مثلا ، فهذا هو المجهول عند أهل الاختصاص ( الخطيب ، الكفاية 88 ) .
على أنه من الممكن أن تعرف العين براوية أكثر من واحد ، لكن حاله في الحفظ تبقى خافية ، فمثل هذا مستور كما سماه الحافظ ابن حجر ، أو مجهول الحال ، وإضافة إلى ما ذكرته خلوه من توثيق أهل الدراية ( ابن حجر ، تقريب ص 74 ) أي أن هناك قدرًا من المعرفة بذات الراوي وحاله لا بد منه على أساس في التعديل ، وبمقدار ما يفقد الراوي من هذه المقومات يفقد من درجة توثيقه ، وبالتالي الأهلية للرواية .
أقول: إن القضايا المهمة التي بحثها علماء الحديث حول العدالة عديدة ، أختار منها أشبه ثلاث بمفهوم الصلاح ، وأترك ما سواها ، إذ قد تندرج تلك تحت مفهوم الضبط بخصوصه ، أو به والعدالة معًا . وإنما حرصت على ذكر ما يتبع تكميلا للصورة في ذهن القارئ . وعلى وجه الاختصار الشديد ، إذ ليس للتفصيل في هذا المقام كبير فائدة .