1 -القضية الأولى: بم تثبت العدالة ؟ وقد تنوزع فيها . فمن العلماء من يرى أن كل حامل علم معروف به ، فهو عدل حتى يتبين خلافه ، وهو مذهب ابن حبان ، وابن عبد البر ، واحتج له بحديث:"يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ .. الحديث" (1)
(الحديث له روايات كثيرة ، وأخرجه غير واحد منهم: ابن عدي في الكامل 1/ 152 ، وابن عبد البر في التمهيد 1/ 58 وآخرون ... وحسنه العلائي ، ووافقه القسطلاني لكثرة طرقه . أرشاد الساري 10/ 4 . )
وهذا الرأي متسع ، حيث تولى أصحاب هذا الاتجاه توثيق من ليسوا أهلا لذلك ، بحكم عدم الاطلاع على جارح . والحديث المذكور ضعفه غير واحد ، منهم الحافظ العراقي 82 هـ ( السيوطي تدريب 1/302 ) وعلى فرض التسليم بقبوله ، حمله الجمهور على أنه ليس من باب الاختبار والشهادة لحملة العلم بالعدالة ، وإنما هو من باب التنبيه والدعوة إلى أن هذا العلم ينبغي ألا يحمله غير العدول لأهميته ورفعته . أي أن جمهور المحدثين ذهبوا مذهبًا آخر، وارتأوا أن العدالة في مقام الرواية لا بد من إثباتها بأمر خارج صريح في حق من يذكر بها ، فمنهم من اشترط شهادة اثنين من العدول ، ومنهم من اكتفى بالواحد ، والكل قبل شهرة الراوي بذلك ، أي من اشتهرت عدالته ، وذاع بذلك صيته ، ( ابن الصلاح ، ص 218 ) .
2 -القضية الثانية: هل تقبل رواية المبتدع ؟ وإنما ذكرتها لتعلقها بصلاح الدين إذ المبتدع مخالف لما تم الاتفاق عليه من أصول الدين عند أهل السنة والحديث ، وهذه المخالفة تحمل في طياتها قدحًا للموصوف بها ، وإن كان له تأويل سائغ فيما ذهب إليه في نظره ... فمثل هذا الذي غير وبدل ، ولم يكن مأمونًا على دينه وعقيدته - في نظر غيره - هل يمكن الاطمئنان إليه فيما هو أقل من ذلك كالرواية وقد عانى المسلمون ما عانوه من مثل هؤلاء ، أعني أمثال الشيعة والخوارج والمعتزلة ومن شاكلهم . وخلاصة القول أن جمهور المتكلمين - وهؤلاء يمثلون مدرسة فكرية مستقلة . تقوم في مبادئها على مخالفة واضحة لما هو عليه الحال عند المحدثين - قالوا بقبول رواية هؤلاء مطلقًا ، والسبب في هذا القبول واضح من جهة تأثر هؤلاء المبتدعة بفكر المتكلمين ، فبين الطرفين كبير شبه . ومن المحدثين من ذهب إلى رد رواية هؤلاء مطلقًا ، غير أن جمهور المحدثين ذهبوا إلى قبول رواية هؤلاء بشروط أهمها: ألا يكون المبتدع ممن يستحل الكذب، وألا يروي من الحديث ما ينصر بدعته ، ولا يكون غاليًا فيها داعيًا إليها ( الكفاية ص 120 - 128 ) فإن خلا من ذلك تبينت أمانته ، وثبت ورعه ، وهو أكثر الآراء موضوعية .
(1) الحديث له روايات كثيرة ، وأخرجه غير واحد منهم: ابن عدي في الكامل 1/152 ، وابن عبد البر في التمهيد 1/58 وآخرون ... وحسنه العلائي ، ووافقه القسطلاني لكثرة طرقه . أرشاد الساري 10/4 .