فهرس الكتاب
وهذا الذي تطمئن إليه النفس حيث لا يوجد في زمننا هذا من يهدي بنية خالصة، بل يريد بها مآرب أخري ، ومقاصد يخطط لها، والأولي عدم قبول الهدية بأي شكل من الأشكال لأنهما من الحرام ولا يجوز أكل الحرام. وذكر الشوكاني علي حديث ابن التبيه المار ذكره حيث قال: والظاهر أن الهدايا التي تهدي للقضاه ونحوهم هي نوع من الرشوة، لأن المهدي إذا لم يكن معتاد للإهداء إلي القاضي قبل ولايته، لا يهدي إليه إلا لغرض وهو: إما التقوي به علي باطله، أو التوصل بهديته له إلي حقه، والكل حرام .وأقل الأحوال أن يكون طالبًا لقربه من الحاكم وتعظيمه ونفوذ كلامه ولا غرض له بذلك إلا الاستطالة علي خصومه ، أو الأمن من مطالبتهم له فيحشمه من له الحق عليه، ويخافه مالا يخافه قبل ذلك وهذه الأغراض كلها تؤول إلي ما آلت إليه الرشوة، فليحدذر الحاكم المتحفظ لدينه المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدي إليه بعد توليه للقضاء فإن للإحسان تأثيرا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة علي حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلي الذي أهدي إليه ميلا يؤثر الميل في الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره والقاضي لا يشعر بذلك ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل زيادة علي هذا ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إلي قبل الدخول فيه بل من الأقارب فضلا عن سائر الناس فكان في ذلك من المنافع لا يتسع المقام لبسطه [1]
(1) - نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخبار لمحمد بن علي الشوكاني ، ج9 ، ص173..