إن السياق القرآني له دوره في تحديد دلالات الآيات وألفاظ تلك الآيات، فمثلًا يستخدم القرآن الكريم صيغة الأمر ويقصد بها معناها الظاهر كما في قوله تعالى: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» أي هناك أمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكن هذه الصيغة نفسها قد يقصد بها الإباحة كما في قوله تعالى: «وإذا حللتم فاصطادوا» لورودها بعد حظر الصيد حال الإحرام «لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم» وقد يقصد بها التهديد كما في قوله تعالى: « فاعبدوا ما شئتم من دونه» أو التعجيز «فأتوا بسورة من مثله» وهكذا، فالمحدد للمراد ومدلول الآيات مع كون الصيغة واحدة هو السياق أي ملاحظة الآيات الأخرى المقترنة بها.
وكمثال آخر على تحديد مدلول كلمة معينة في النص القرآني؛ استنادًا إلى السياق ما ورد عن علي (كرم الله وجهه) في تفسير معنى كلمة «الأب» بما تأكل الأنعام في قوله تعالى: «وفاكهة وأبًّا، متاعًا لكم ولأنعامكم» حيث قال:
«إن معنى اللفظ في الآية ذاتها... فالفاكهة لكم والأبّ لأنعامكم» .
وفي حديث آخر أن عمر مرّ يومًا بشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن، فاستسقاه فخلط له الفتى الماء بعسل وقدّمه إليه فلم يشربه وقال: «إن اللَّه تعالى يقول: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) فقال له الفتى «إنها ليست لك ولا لأحد من أهل القبلة أترى ما قبلها: (ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) .
فقال عمر كل الناس أفقه من عمر.
فنرى كيف أن الأنصاري لم يدرك هذا المعنى إلا من خلال السياق الذي وردت فيه الآية.
بل يمكن من خلال السياق إستكشاف خطأ من يتلو القرآن في حال خطئه، ومثاله أن أحد العرب سمع رجلًا يتلو آيةً هكذا «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من اللَّه واللَّه غفور رحيم» .
فقال الأعرابي أخطأت، قال: وكيف؟
قال: إن المغفرة والرحمة لا تناسبان مع قطع يد السارق.