فتذكّر الرجل الآية وقال: « واللَّه عزيز حكيم » فقال الأعرابي نعم، بعزّته أخذها، وبحكمته قطعها.
ومما يؤسف له أن كثيرًا من الناس يقتطعون الآية أو جزء الآية من سياقها ليستفيدوا ما يشاؤون من معاني ومضامين تنسجم مع ما يرغبون كما في قوله تعالى:
«ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» حيث اتخذها البعض مبررًا للتهرب من المسؤوليات الملقاة على عواتقهم وفرارًا من أدنى تضحيات يقدمونها في سبيل هدف أسمى مع أن الآية جاءت في سياق آيات تحث المؤمنين على الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى كجهاد مالي يضاف إلى الجهاد بالأبدان والأرواح والأنفس، من خلال تجهيز الغزاة، وأن عدم الإنفاق والبخل يؤدي إلى إضعاف جبهة المسلمين وبالتالي هلاكهم وإبادتهم قال تعال: «... وأنفقوا في سبيل اللَّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن اللَّه يحب المحسينين» فالتهلكة يقصد بها هنا ما يترتب على عدم الإنفاق.
3 ـ"مفهوم النَّسخ"
يقول محمد عابد الجابري: مفهوم"النَّسخ"ومفهوم"آية السيف"مفهومان لا وجود لهما في القرآن. أما"النسخ"فقد ورد لفظه، أن المقصود بـ"المنسوخ"، هو الشرائع الماضية، وقد نُسخت بمجيء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام، وليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ. كل ما هناك هو وجود أنواع من التدرج في الأحكام: من العام إلى الخاص، ومن المُطلق إلى المُقيَّد، ومن المُجمل إلى المُبيَّن .
وإنما نزل القرآن مفرقًا في مدى يزيد عن عشرين سنة لتكون أحكامه متلائمة مع تطور الحياة. وهو في جملته وتفصيله لا ناسخ فيه ولا منسوخ: ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ) في منظومة كلية (ثُمَّ فُصِّلَتْ ) عناصرها حسب مقتضى الأحوال ( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (هود 1) ، والقرآن، كليتُه ومفرَّقُه، واحد ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد) (فصلت 42) .