لأن التغيير الجذري كان في عصر الرسالة ، فلا بد من مراعاة هذه الظروف الصعبة للانتقال من حال إلى حال، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالعقيدة والتقاليد المستحكمة بالنفوس، حيث يصعب على المرء أن تتزعزع عقيدته بسهولة، فالتطور والتدرج في الأحكام أدعى إلى القبول، وكان هذا التطور بطريق النسخ أو تخصيص العام تارة ، أو بتقييد مطلق أو تفصيل مجمل تارة أخرى، لذلك لا يمكن لنا أن نخاطب بالإسلام مجتمعات غير إسلامية أصلًا بالحكم النهائي في الإسلام ، دون تمريرها بمراحل التهيؤ ؟ .
( وإن عامة أهل الشريعة أثبتوا في القرآن والسنة الناسخ والمنسوخ على الجملة ، وحذروا من الجهل به والخطأ فيه (( انظر: إبراهيم بن موسى الشاطبي: الموافقات في أصول الفقه: 4 / 120 ـ 121) .
وفي النسخ سر من أسرار تطور التشريع ، وفيه نفي للاختلاف في دين الله، لأنه يكون فيما بين دليلين يتعارضان بحيث لا يصلح اجتماعهما بحال، فبالنسخ يكون أحدهما قاطعًا وتثبت الفائدة ، وبنفي النسخ يبقى التعارض ولا تجنى من الكلام ثمرة، بل يؤدي تعارض النصين إلى التكليف بما لا يطاق، وكل ذلك باطل بإجماع .اهـ ( انظر: إبراهيم بن موسى الشاطبي: الموافقات في أصول الفقه: 4 / 121) .
4 ـ مفهوم الحجاب:
ذهب محمد عابد الجابري الى اشكالية الحجاب وأدلى بدلوه بشكل واضح فقال:
«في رأيي انه ليس ثمة نوع خاص من الحجاب يمكن وصفه دون غيره بأنه «حجاب إسلامي» ودليل ذلك أن المفسرين، القدماء منهم والمحدثين، قد ذكروا أنواعًا عدة من الحجاب واعتبروها تستجيب لما نص عليه القرآن في الموضوع، وبالتالي يسمح هذا بالقول ان الأمر يتعلق بمسألة اجتهادية، وأنه من الجائز لأي مجتهد، وفي أي عصر، القول في هذه المسألة -كما في غيرها من المسائل المماثلة- بما يعتقد أنه يصلح لزمانه، وبذلك يساهم في تثبيت المبدأ الذي يؤمن به كل مسلم، وهو أن الاسلام صالح لكل زمان ومكان».