فهرس الكتاب
الثاني: إننا نحن فسرناه بحمله على حقيقته تفسيرًا جاء به الكتاب والسنة , وهم فسروه بما لم يرد به كتاب وسنة , ولا يوافق الحقيقة , ولا يجوز نسبته إلى الله تعالى.
وأما قولهم أن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات .
قلنا: احتياجها إلى ذلك في حقنا لا يوجب ذلك في كلام الله تعالى الله عن ذلك .
فإن قالوا بل يحتاج الله كحاجتنا قياسا له علينا أخطؤوا من وجوه:
أحدها: أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها كالسمع والبصر والعلم والحياة فلا يكون ذلك في حقنا إلا في جسم , ولا يكون البصر إلا في حدقة ولا السمع إلا في انخراق , والله تعالى بخلاف ذلك .
الثاني: أن هذا تشبيه لله تعالى بنا , وقياس له علينا وهذا كفر .
الثالث: أن بعض المخلوقات لم تحتج إلى مخارج في كلامها كالأيدي والأرجل والجلود التي تتكلم يوم القيامة , والحجر الذي سلم على النبي صلى الله عليه وسلم , والحصى الذي سبح في كفه , والذراع المسمومة التي كلمته .
وقال ابن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل .
ولا خلاف في أن الله تعالى قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات ؛ فكيف عجزوا الله تعالى عن الكلام بلا أدوات.
وقولهم: أن التعاقب يدخل بالحروف
قلنا: إنما كان ذلك في حق من ينطق بالمخارج والأدوات , ولا يوصف الله تعالى في ذلك وقولهم إن القديم لا يتجزأ ولا يتعدد غير صحيح .
فإن أسماء الله معدودة قال الله تعالى {ولله الأسماء الحسنى } وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة ."
البخاري (2736) ومسلم (2677)
وهي قديمة , وقد نص الشافعي على أن أسماء الله غير مخلوقة .
وقال الإمام أحمد: من قال إن أسماء الله مخلوقة فقد كفر .
وكذلك كُتُب الله تعالى؛ فإن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن متعددة , وهي كلام الله غير مخلوقة , وإنما هذا شيء أخذوه من علم الكلام , وهو مطرح عند جميع الأئمة الأعلام .
"الصراط المستقيم" (48)