فهرس الكتاب
قال رحمه الله: وأصل منشأ نزاع المسلمين في هذا الباب أن المتكلمين من الجهمية والمعتزلة , ومن اتبعهم سلكوا في إثبات حدوث العالم , وإثبات الصانع طريقًا مبتدعة في الشرع مضطربة في العقل , وأوجبوها , وزعموا أنه لا يمكن معرفة الصانع إلا بها .
وتلك الطريق فيها مقدمات مجملة لها نتائج مجملة فغلط كثير من سالكيها في مقصود الشارع , ومقتضى العقل فلم يفهموا ما جاءت به النصوص النبوية , ولم يحرروا ما اقتضته الدلائل العقلية ؛وذلك أنهم قالوا لا يمكن معرفة الصانع إلا بإثبات حدوث العالم , ولا يمكن إثبات حدوث العالم إلا بإثبات حدوث الأجسام.
"مجموع الفتاوى" (12/213)
و قال رحمه الله: فإن قيل إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتًا في كل فطرة ؛ فكيف ينكر ذلك كثير من النظار -نظار المسلمين وغيرهم - وهم يدعون أنهم يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الألهية !
فيقال أولًا: أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه العرفة -أي الفطرة- هم أهل الكلام الذي اتفق السلف على ذمهم من الجهمية والقدرية , وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف وأجهلهم.
"مجموع الفتاوى" (16/340)
ورحم الله ابن القيم إذ يقول:
فعلى عقولكم العفاء فإنكم عادتتم المعقول والمنقولا
وطلبتم أمرا محالا وهو إدراك الهدى لا تتبعون رسولا
وزعمتم أن العقول كفيلة بالحق أين العقل كان كفيلا
وهو الذي يقضي فينقض حكمه عقل ترون كليهما معقولا
وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا يلفي لديه باطلا معلولا
لا يستقل العقل دون هداية بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا
كالطرف دون النور ليس بمدرك حتى تراه بكرة وأصيلا
فإذا الظلام تلاطمت أمواجه وطمعت بالأبصار كنت محيلا
وإذا النبوة لم ينلك ضياؤها فالعقل لا يهديك قط سبيلا
نور النبوة مثل نور الشمس للعين البصيرة فاتخذه دليلا
طرق الهدى مسدودة إلا على من أم هذا الوحي والتنزيلا
فإذا عدلت عن الطريق تعمدا فاعلم بأنك ما أردت وصولا