فهرس الكتاب
فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد , ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب أشهدهم إياه , وأشار لهم إليه وفعل قولا يكون حكاية له وشبها به يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة فينبغي أن يعرف هذه الدرجات:
أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة
وثانيها: عقله لمعانيها الكلية .
وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية
فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب
فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما , وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق كما تقدم في قصص الأمم , وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق بأن يقال ليس ذلك مثل هذا ونحو ذلك .
وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك , وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة , ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط.
3-إن في السنة أدلة كثيرة على بيان صحة هذه القاعدة.
أ- عن جرير- رضي الله عنه - قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة - يعني البدر - فقال:"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا". ثم قرأ { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب }
البخاري في صحيحه (554) , ومسلم في صحيحه (633)
ووجه الشاهد تشبيه الرؤية بالرؤية , وهي قياس شاهد على غائب .