فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 162

ولهذا ذكر الوزير أبو المظفر ابن هبيرة في كتاب"الإيضاح في شرح الصحاح"أن أهل السنة يحكون أن النطق بإثبات الصفات وأحاديثها يشتمل على كلمات متداولات بين الخالق وخلقه , وتحرجوا من أن يقولوا مشتركة لأن الله تعالى لا شريك له بل لله المثل الأعلى , وذلك هو قياس الأولى والأحرى فكلما ثبت للمخلوق من صفات ؛ فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه لأنه أكمل منه , ولأنه هو الذي أعطاه ذلك الكمال فالمعطي الكمال لغيره أولى وأحرى أن يكون هو موصوفا به إذ ليس أعطى , وأنه سلب نفسه ما يستحقه وجعله لغيره ؛ فإن ذلك لا يمكن بل وهب له من إحسانه وعطائه ما وهبه من ذلك كالحياة والعلم والقدرة , وكذلك ما كان منتفيًا عن المخلوق لكونه نقصًا وعيبًا , فالخالق هو أحق بأن ينزه عن ذلك وقد بسطت هذه القاعدة في غير هذا الموضع .

وعلى هذا فجميع الأمور الوجودية المحضة يكون الرب أحق بها لأن وجوده أكمل , ولأنه هو الواهب لها فهو أحق باتصافه بها , وجميع الأمور العدمية المحضة يكون الرب أحق بالتنزيه عنها لأنه عن العدم أبعد من سائر الموجودات .

ولأن العدم ممتنع لذاته على ذاته , وذاته بذاته تنافي العدم , وما كان فيه وجود وعدم كان أحق بما فيه من الوجود وأبعد عما فيه من العدم فهذا أصل ينبغي معرفته ؛ فإذا أثبت له صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر وغير ذلك بهذه الطريق القياسية العقلية التي لله فيها المثل الأعلى كان ذلك اعتبارًا صحيحًا , وكذلك إذا نفي عنه الشريك والولد والعجز والجهل ونحو ذلك بمثل هذه الطريق , ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يستعملون مثل هذه الطريق في الأقيسة العقلية التي ناظروا بها الجهمية .

"بيان تلبيس الجهمية" (1>327)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت