فهرس الكتاب
فالرجل منهم لا بد أن يقر أنه مولود ,وأن له أبا وطيء أمه وأمًا ولدته , وهو لم يحس بشيء من ذلك من حواسه الخمس بل أخبر بذلك , ووجد في قلبه ميلا إلى ما أخبر به
وكذلك علمه بسائر أقاربه من الأعمام والأخوال والأجداد وغير ذلك , وليس في بني آدم أمة تنكر الإقرار بهذا .
وكذلك لا ينكر أحد من بني آدم أنه ولد صغيرًا , وأنه ربي بالتغذية والحضانة , ونحو ذلك حتى كبر , وهو إذا كبر لم يذكر إحساسه بذلك قبل تمييزه بل لا يذكر طائفة من بني آدم أمورهم الباطنة مثل جوع أحدهم وشبعه ولذته وألمه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه وغير ذلك مما لم يشعر به بحواسه الخمس الظاهرة .
بل يعلمون أن غيرهم من بني آدم يصيبهم ذلك , وذلك مما لم يشعروا به بالحواس الخمس الظاهرة , وكذلك ليس في بني آدم من لا يقر بما كان في غير مدينتهم من المدائن والسير والمتاجر وغير ذلك مما هم متفقون على الإقرار به , وهم مضطرون إلى ذلك , وكذلك لا ينكرون أن الدور التي سكنوها قد بناها البناؤون , والطبيخ الذي يأكلونه طبخه الطباخون , والثياب المنسوجة التي يلبسها نسجها النساجون , وإن كان ما يقرون به من ذلك لم يحسه أحدهم بشيء من حواسه الخمس .
وهذا باب واسع فمن قال: إن أمة من الأمم تنكر هذه الأمور فقد قال الباطل .
ثم قال -رحمه الله - بعد ذلك:
"والسمنية الذين ناظروا الجهم قد غالطوا الجهم , ولبسوا عليه في الجدال حيث أوهموه أن ما لا يحسه الإنسان بنفسه لا يقر به , وكأن الأصل أن ما لا يتصور الإحساس به لا يقر به فكان حقه أن يستفسرهم عن قولهم ما لا يحسه الإنسان لا يقر به ."
هل المراد به هذا أو هذا ؟
فإن أراد أولئك المعنى الأول أمكن بيان فساد قولهم بوجوه كثيرة , وكان أهل بلدتهم وجميع بني آدم يرد عليهم ذلك.
وإن أرادوا المعنى الثاني ؛ وهو أن ما لا يمكن الإحساس به لا يقر به؛ فهذا لا يضر تسليمه لهم بل يسلم لهم يقال لهم ؛ فإن الله تعالى تمكن رؤيته ويسمع كلامه .