فهرس الكتاب
إن الجملة الأخيرة التي يختم بها المقري روايته تلمح على توجه في عبدالرحمن ينبغي التنبه إليه، وهو أنه لم يكن البتّة غافلا عن التعرف على الاستعدادات المتوافرة في ابنيه الكبار سليمان وهشام. فعلى النقيض من لوم بعض المؤرخين عبدالرحمن بإهماله إعطاء عنايته بتسمية من يتولى الأمر من بعده، إلا أن المتابعة الشخصية منه لاختبار قدرات ابنيه اللذين يعدهما بالتروي للأمر، يمكن عدّه أمرا يقع في صميم عنايته بهذه القضية. فالوصية الأخيرة التي استعرضناها تؤكد على إلمامه التام بمكامن القوة لدى الاثنين؛"فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك سليمان، فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين إليه،"إن الفوارق التي أشار إليها عبدالرحمن هي في الواقع أكثر الفوارق ثباتا على الأخوين، بمعنى أن عبدالرحمن حينما أوصى بالوصية المشهورة كان أعرف الناس بالفوارق القائمة بين ابنيه.
أما عن الفوارق الاستدلالية التي يستدل عليها من سياق روايات غير مباشرة، فهناك أيضا قدر غير قليل منها. لكن قبل التعامل مع مثل هذه الروايات، ينبغي علينا الإشارة هنا إلى أن البحث -في مرحلته هذه- سيكتفي بما ذُكر عن هذه الفوارق قبل تولي هشام بن عبد الرحمن الإمارة، وذلك لأن ما ناله هشام من مدح وثناء بعد توليه الإمارة، وعدم ذكر لما يماثلها من المؤرخين عن سليمان، يجعل من غير الإنصاف إيراد شواهدها، بل إرجاء ما قيل عن"هشام الأمير"إلى حين مناسبة الحديث عنها لاحقا، وعند الحديث عن مزايا"هشام الأمير أيضا،"إذ ليس من العدل الحكم على سليمان الذي كان نصيبه الإهمال والسلبية من المؤرخين بنفس المعيار الذي ناله هشام من الاهتمام من المؤرخين إبان توليه الإمارة، فالمؤرخون عندئذ أولوا هشاما موفور عنايتهم وتقديرهم للأمير عادة وانصرفوا في المقابل عن سليمان لبقائه خارج السلطة.