فهرس الكتاب
الواقعة السالفة تلمح أيضا إلى صفة يؤكد المؤرخون حرص هشام عليها، وهي صنيعة الرجال والإبقاء على مودتهم، فالكناني الذي حمل المظلمة إليه لم يكن إلا أحد قدماء صنائعه من أهل جيان، وبسببه كان هشام حريصا على إرضائه ورفع المظلمة عنه. في الحقيقة أن ذات الصفة الأخلاقية التي عُرف بها هشام يورد لها المؤرخون مثالا آخر، فابن الآبار وآخرون، يروون أن"رجلا يعرف بالهواري دخل على هشام في حياة أبيه -وهو مرشح للخلافة- فقال له إن فلانا مات عن ضيعة تعود بكذا وكذا من الغلة، وإنها تباع في دين أو عن وصية، وهي ناعمة مثمرة وطيبة الأرض مخصبة، وحضه على اشترائها. فقال له:"أنا أريد أمرا إن بلغته غنيت عنها، وإن قطع بي دونه خسرتها؛ ولاصنطاع رجل أحب إليّ من اكتساب ضيعة، فقال له الهواري: فاصطنعني بها تجد أكرم مصطنع، فأمر بابتياعها -له- فأشار بعض من حضر إلى أن الاستعداد بالمال أعون على درك الآمال فأطرق عنهم ثم قال:
البَذْل -لاَ الجمْعُ- فِطْرَة الْكَرَمِ ... فَلا ترد بي مَا لَمْ ترد شِيَمِي
مَا أَنَا مِنْ ضيعَةٍ وَإِنْ نعِمَت؟ ... حَسْبِي اصْطِنَاع الأَحْرَارِ بِالنِّعَمِ
ملك الْوَرَى، وَالْعِبَاد قَاطِبَة ... -لاَ ملك بَعْضِ الضِّيَاعِ- مِنْ هِمَمِي [1]
ما يلفت الانتباه فيما قاله هشام شِعرا هو البيت الأخير، في هذا البيت يؤكد هشام على صفة فيه يعدها العارفون له أنها من إحدى صفاته المميزة، ألا وهي الطموح، وبُعد النظر والترفع عن الصغائر. فهشام هنا يؤكد أن همه ليس امتلاك الضياع، بل ملك الورى والعباد قاطبة. وإن تطلعه هذا فيه تأكيد على ترفعه عن المكاسب الآنية والوقتية الصغيرة، وإنما هدفه المكاسب العالية والكبيرة.
(1) ابن الآبار، الحلة السيراء، 1: 42.