الصفحة 27 من 76

إن دلائل الإفراط في القسوة لدى هشام تتكرر أيضا في قتله ابني كل من خالد بن عثمان وتمام بن علقمة، وهما من أبناء الدعائم التي قامت دولة عبدالرحمن في الأندلس على أيديهما، فخالد بن عثمان، وهو من زعماء الموالي في الأندلس، كان أول من ناصر رغبة عبدالرحمن في إقامة دولة له هناك، وكان له أثر لا ينكر في تهيئة الأوضاع له عند دخوله إليها. أما تمام بن علقمة، فقد كان مبشرا لعبدالرحمن، وهو في المغرب، بتآلف أنصار له في الأندلس؛ ومن ثم مصاحبته الدخول معه في مركبه إليها.

رواة هاتين الواقعتين، على أية حال، يصمتون عن الأسباب التي أدت بهشام إلى ارتكاب مثل تلك الفظائع التي تتنافى مع ما عُرف عنه من لين الطبع والتسامح، كما أنهم لا يذكرون زمن وقوعهما، والأرجح هنا أن هشاما وقع في مثل تلك الزلاّت قبل توليه الإمارة، إذ أن المعروف هنا أن أمره بقطع لسان أبا المخشى كان في أيام ولايته على ماردة، في أيام عبدالرحمن. والمعروف أيضا أن هشاما، كدلالة على التماسه جانب الزهد والرحمة، إبان توليه الإمارة، كان قد ندم على ما لحق بأبي المخشى على يده، إذ تقرب إليه وحاول إصلاح حاله بالأموال.

إن هشاما، على أية حال، كان قد أقر بالتباين المتطرف في صفاته في حالتي السكون والغضب، وذلك عندما ألمح إلى ذلك شعرا بقوله:

تَفِيضُ كَفِّي فِي السِّلمِ بحر نَدَى ... وَفِي سِجَالِ الحرُوبِ بحر دَمِ [1]

فهو كان حليما، يُنصح باتقاء غضبه في شبابه، وإن غدا حليم الصفات، كما سنرى لاحقا، في أيام إمارته.

الفروقات القائمة بين سليمان وهشام وتعامل عبدالرحمن معها

(1) انظر إلى مجمل هذه الوقائع في: المقري، نفح الطيب، 1: 335-336.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت