فهرس الكتاب
ظل عبدالرحمن الداخل، أبا وأميرا مسؤولا عن مصالح دولته، معترفا بالفروقات الفردية التي تمكن من رصدها في ابنيه سليمان وهشام. وقد بينت وصيته -كما عرفناها- اعترافا منه بمزايا لسليمان؛"فضل سنه ونجدته وحب الشاميين له،"وبأخرى لهشام؛"فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه."
إن إفصاح عبدالرحمن بتلك الفروقات في وصيته الأخيرة تدل على أنه كان مدركا لتوافر دلائل فردية مميزة في كل من ابنيه اللذين كان يعد أحدهما لخلافته من بعده. ويستحسن الإشارة هنا إلى أن عبدالرحمن أظهر في جميع المراحل التي تمكن البحث من تتبع خيوطها العدل والمساواة تجاه سليمان وهشام، سواء في تنشئتهما وتعليمهما، أو في إيكال المسؤوليات لهما فيما بعد.
لقد بدأ عبدالرحمن في الاعتماد على سليمان وهشام حال إدراكهما لسن المسؤولية في استشارتهما في اختيار من كان يرغب في ترشيحه لتولي المناصب المهمة في دولته، فالاثنان سويا كان لهما رأيهما في اختيار مصعب بن عمران لمنصب قاضي الجماعة. [1] وتواصل الأمر بعد ذلك، كما يقول ابن الآبار،"باستوزارهما، تنويها بحالهما." [2] ومن هذه الأمثلة يمكن القول إن سليمان وهشام كانا فعليا من عداد رجالات دولة عبدالرحمن في قرطبة رغم بكورة سنهما. [3] [4]
(1) الخشني، أبو عبدالله محمد بن الحارث بن أسد القيرواني، قضاة قرطبة، تحقيق دار إحياء التراث (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966م) ، 3.
(2) ابن الآبار، الحلة السيراء، 1: 42.
(3) لعل ما يؤكد هذا التفسير قول المقري إنه"لم يكن للداخل من يطلق عليه سمة وزير، لكنه عين أشياخا للمشاورة والمؤازرة،"المقري، نفح الطيب، 3: 45.