فهرس الكتاب
بيد أن هذه الإنابة كانت، كما هو واضح من مهماتها، مهمة احتفالية، ليس فيها صفة المهمات الرسمية، فهي لا تعدو عن كونها إنابة شخصية عنه في واجبات اجتماعية آثر عبدالرحمن -لظروف خاصة- عن التوقف من القيام بها بنفسه. بيد أنه من الجانب الأهم للمهمات، كانت المهمات التي أنيطت إلى سليمان، مهمات لا ريب أنها كانت أكبر مكانة وأهم، من حيث المسؤوليات المنتظرة منه. لقد بدأ سليمان مهماته الرسمية بتولي ولاية جيان لأبيه. وهي مدينة مهمة لا سيما إذا قيست أهميتها للمرحلة الزمنية لتولي سليمان لها. فهي فضلا عن أنها كانت بوابة قرطبة، عاصمة دولة عبدالرحمن، الشرقية-الجنوبية، كانت أيضا خط مواجهة بين عاصمة عبدالرحمن وأعدائه، بالأخص القوى القبلية المناهضة له في الجنوب الشرقي، والجنوبي من الأندلس.
لا ريب أن مسؤولية سليمان، بوصفه رجلا حائزا على ثقة أبيه، يضطلع بحماية أطراف الدولة، تضاعفت بتوليه ولاية مدينة طليطلة. إن طليطلة هي ليست أبعد المدن من قرطبة عمقا في الوسط الشمالي للأندلس فحسب، بل هي المدينة الرئيسة التي ألقى عليها مهمة مراقبة الشمال النصراني، فهي لهذا الاعتبار اكتسبت مسمى"عاصمة الثغر الأندلسي الأدنى."ويضاف إلى ذلك اعتبار آخر، ميز هذه المدينة عما عداها من مدن الأندلس، فالمعروف أنها كانت عاصمة دولة القوط قبل الفتح الإسلامي، وعليه فقد شُكلت غالبية سكانها من العناصر الأسبانية القديمة، زاد عليه أن عناصر كثيرة من الجماعات العربية المعادية لعبدالرحمن والتي فقدت قواعدها في الجنوب والوسط الأندلسي قد نزحت إليها. ولذلك فإن مهمة الإبقاء على هذه المدينة تحت النفوذ الأموي، ومنع المد النصراني جنوبا، والسيطرة على سكانها المتنافرين عرقيا وسياسيا، كان لا شك يمثل عبئا ثقيلا لعبدالرحمن وسليمان أيضا.