الصفحة 34 من 76

قد لا يتوافر للبحث تقديم إجابات شافية عن هذه التساؤلات، كما تعوزه الدلائل لطرح الفرضيات، فما يملكه حيال هذه المعضلة لا يعدو عن محاولات يحاول فيها البحث أن يستشف دلالات من التغيرات المرصودة على السنوات الأخيرة من حكم عبدالرحمن، والتغيرات العسكرية التي مرت بها دولته خلالها. إذ أن التحول من سليمان إلى هشام في أمرٍ مهم كولاية العهد لم يكن إطلاقا حدثا عابرا، تغفل عنه الوقائع المصاحبة، بل لابد وأن التقلبات السياسية التي عاصرتها السنوات الأخيرة لحكم عبدالرحمن سجلت حتما ما يمكن الاستدلال عليه تجاهها.

لقد أكد البحث في طروحاته الآنفة الذكر أن عبدالرحمن الداخل لم يبد منه تفضيلا لسليمان أو لهشام؛ فما عُرف عنه إيثاره المساواة بينهما، فهو إذا كان قد أسبق سليمان لمهمات كبيرة، فعمله هذا لم يكن إلا بما تفرضه أسس التعامل مع الأبناء، بحسب الأولويات السنية. إن كبر سن سليمان أهله لولايتي كل من جيان أولا وطليطلة بعد ذلك، وعندما وصل هشام إلى سن التأهل أحرز هو الآخر ولاية ماردة. ولعل عبدالرحمن -عاملا بهذا المبدأ- أعلن صراحة بأن سليمان سيخلفه في الأندلس، في حال سيره بأعوانه إلى المشرق، لاستعادة مناطق حكم أسلافه من العباسيين.

لكن توقيت عبدالرحمن لإشاعة قراره الترحل إلى المشرق هو الذي ينبغي علينا التوقف عنده قليلًا. إن سنة 163هـ هي، بلا جدال، تاريخ حاسم لبناء عبدالرحمن دولته في الأندلس. فهذه السنة تمثل بالنسبة له ذروة النجاح العسكري والتي تمكن فيها من تحقيق انتصاراته على أعدائه أخيرا، الأمر الذي مكنه أيضا من فرض سيادته على ثلثي الأندلس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت