الصفحة 35 من 76

ولعل هذا النجاح الباهر هو الذي ربما ولّد لدى عبدالرحمن شعورا متزايدا بقدرته العسكرية، الأمر الذي أطمحه بأنه بمقدوره الآن مواجهة العباسيين في عقر دارهم في المشرق. فالمرحلة إذن كانت مرحلة النشوة العسكرية العارمة التي يبرز فيها أهل الكفاءة العسكرية، ولم يكن لعبد الرحمن أقدر من سليمان، الذي عُرف بتوجهه العسكري، وميوله لطبقات العسكرية الأندلسية. فهو إذن كان رجل المرحلة، دون أدنى منافس، لا سيما إذا قورن بهشام، ذي الميول الفكرية، مثلما سنعرف لاحقا. ولذلك فإنه ليس هناك ما يدعو إلى الاستغراب إذا ما أحرز سليمان ثقة أبيه؛ فالشروط توافقت فيه بما تمليه نظرة عبدالرحمن وما أملته المرحلة التي كانت الأندلس تعايشها حينذاك.

أشارت رواية المقري إلى أن قيام الحسين بن يحيى الأنصاري بحركته الانفصالية، في سرقسطة، دفع عبدالرحمن إلى تغيير خطته الرامية إلى قيادة جيش الأندلس إلى دمشق. والواقع أن هذه الحركة برغم أنها كانت آخر الحركات التي واجهها عبدالرحمن، إلا أنها لا جدال كانت واحدة من أخطر الحركات التي واجهته؛ فهي لم تضم آخر التجمع المناوئ له في الشمال الشرقي من الأندلس، تحت قيادة كل من الزعيمين الحسين بن يحيى الأنصاري في سرقسطة، وسليمان بن يقظان الكلبي في برشلونة فحسب، بل سرعان ما تحولت إلى حركة دولية بانضمام شارلمان رأس الدولة الفرنجية إليهما. [1]

(1) انظر تفصيلات هذه الوقائع في: المؤلف المجهول، أخبار مجموعة، 102-105. انظر كذلك يوجن أولمر، أسلافنا العرب، ترجمة محمد محفل (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت