فهرس الكتاب
ولعل ما صاحب هذه التغييرات، تغير في الشروط المطلوبة فيمن هو الأنسب على قيادة دفة الحكم في الأندلس مستقبلا، أهو سليمان بتوجهه العسكري، أم غيره، والبديل هنا هشام بميوله الفكرية. إن الشروط المتوافرة عند سليمان لربما لم تعد الآن متوائمة مع المستجدات التي طرأت على أوضاع دولة عبدالرحمن، إذ تبدل الحال العسكري إلى الحال البنائي للدولة؛ ففي مثل هذه التحولات تغدو العقليات العسكرية عديمة التناغم، وما يتناغم في أحوال كهذه هم ذوو التوجهات الفكرية القادرة على جمع الأطراف، وتوظيفها لمصلحة البناء الجماعي الذي لا جدال أنه غدا الآن من الشروط الأولية للتواصل، وإرساء الأسس الأقوى لدولة المستقبل. ومن هو الذي تتوافر فيه شروط هذه المستجدات، ليس ذلك سوى هشام في ظروف تبديل المواقع والقيادات. هل يمكن للبحث أن يفترض أن هذه الأفكار كانت لربما تدور في رأس عبدالرحمن، المدرك لهذه التحولات، والمتسبب فيها إلى حد كبير، ليس هناك على أية حال ما يفترض نقيض ذلك.
لعل السؤال المنطقي أمام هذه المعطيات هو التساؤل المؤدي إلى: لماذا إذن لم يعلن عبدالرحمن صراحة اعترافه بهذا التحول، والإعلان رسميا باستحقاق هشام لقيادة الأندلس، في مرحلتها الجديدة؟ قد لا يكون هناك ما يدعو إلى الاستغراب، إذا لم يفعل هو ذلك. فعبدالرحمن قد وقف دون الاعتراف لأي واحد من ابنيه بالترشيح الرسمي، فهو ألمح إلى سليمان، كما رأينا، وكذلك فعل مع هشام، كما مر بنا ذلك أيضا، لكن دون الإعلان الرسمي عن ذلك. قد يكون لذلك أسباب، ولكن قد يأتي على رأس تلك الأسباب أن عبدالرحمن، برغم أنه كان يقرر مصير دولته، إلا أنه كان لربما يتصرف كأب؛ ففي مثل تلك الحالة تصبح التجاوزات الفطرية أمرا ليس هينا على التغاضي، كما فطن إلى ذلك باحث محدث. [1] [2]
(1) عبد المجيد نعني، تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، التاريخ السياسي (بيروت: دار النهضة العربية، 1986م) ، 172.