فهرس الكتاب
إن غلبة الموقف الأبوي على عبدالرحمن، وصعوبة تجاوز الأكبر إلى الأصغر، لربما أدى به إلى السكوت والإبقاء على قراره سرا، وعدم البوح به جهرا، ويلجأ عوضا عنه إلى إحكام جملة من التدابير السرية، كما رأينا، ليضمن وصول هشام بها إلى الحكم.
الفرضيات المحتملة لاستحقاق هشام الولاية
معلوم أن حفظ أشعار القدامى ليس شرطا مؤهلا لصاحبه لاعتلاء مناصب السياسة العليا، وبالمثل أيضا ليس شرطا أن يكون الترشيح لمثل تلك المناصب من نصيب الملم بأيام العرب وذكر حروبهم. وفي المقابل أيضا، إن انتفاء مثل تلك الشروط عن صاحبها ليس مانعا له من مثل تلك الاستحقاقات. إن هذا الأمر برغم بديهياته، إلا أنه كان من أوليات دلائل الفروقات المرصودة بين الأخوين سليمان وهشام، كما رأينا. وهذه الفروق وإن كانت دالة على توجهات أصحابها، إلا أنها، في الوقت نفسه، كانت من الدلالات التي أخذ بها عبدالرحمن للحكم على ابنيه. فعبدالرحمن الذي ربما كان يعايش مرحلة بناء القرار لمستقبل دولته، كان يهمه أن يلتمس مثل تلك الفروقات؛ فهي بالنسبة له كانت تعني، برغم بساطة تلك الدلالات، دلائل جوهرية، لاسيما إذا فهمت بمعانيها الدالة على صفات صاحبها، فهي بهذا المنظور قد أظهرت أن هشاما كان ذا توجه إلى العلم والمعرفة، بخلاف سليمان الذي ظهر بعده عن مثل تلك الاهتمامات، يضاف إلى ذلك صورة الجدية والوقار التي عادة كان يمتلئ بها مجلس هشام، والهزء والسخرية في المقابل الذي كان يملأ محيط سليمان.