الصفحة 39 من 76

في الحقيقة، لم تنل مسألة تحول تفضيل عبدالرحمن لخلافته هشاما بدلا عن سليمان عنايتها المفترضة من قبل المؤرخين الذين لم تسجل مدوناتهم بخصوصها ما يستحق الإشارة إليها، والاستناد عليها، في مثل هذه القضية المهمة، إن أقصى ما قدم من هؤلاء رواية عامة تناقلها غير مؤرخ تقول إن سبب التحول إلى هشام يعزى إلى توسم عبدالرحمن الشهامة والاضطلاع في هشام. [1] [2] [3]

إن التبرير المقتضب الآنف لا يعوزه الحجة فحسب، بل تضعفه عمومية إيحاءاته، فالقول بأن هشاما أحرز الترشيح من قبل والده لولاية العهد لشهامته واضطلاعه تكاد توحي أن تلك الصفات كانت مقصورة عليه، وقاصرة عن سليمان؛ وهي صفات من الصعب إثباتها على مرء ونفيها عن آخر؛ إذ من الصعب القول بأن سليمان لم يكن ذا شهامة واضطلاع. لكن المهم هنا هو القول بأن عبدالرحمن قد استند على مثل هذه الصفات العامة، للقطع برأيه على استحقاق هشام لتولي الأمر من بعده، متجاوزا بذلك ابنه الأكبر سليمان، لأنه في حالة الأخذ بمثل هذا الرأي، فإن ما ينتج عنه هو مساءلة عبدالرحمن في حكمة القطع في قراره، بهذه العجالة والسطحية؛ وهو أمر يتعارض مع الانطباعات التي نتوقعها من عبدالرحمن، الذي عرف بحيطته، وحذره الشديد لما يتعلق بدولته، أو من حيث الحرص على دقائق ما يكفل التواصل لدولته مستقبلا.

(1) ظهرت العبارة أولا عند ابن الأثير، الكامل، 5: 84؛ ثم توالى تكرارها عند الآخرين. انظر مثلا: النويري، نهاية الأرب، 73. ومما هو جدير بالذكر أن المؤرخين المحدثين لم يتخطوا هذا التفسير؛ انظر كمثال أيضا، إبراهيم ياسر خضير الدوري، عبدالرحمن الداخل: سياسته الداخلية والخارجية (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، 1982م) ، 319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت