الصفحة 40 من 76

إن غياب البراهين الدالة على أسباب تغيير موقف عبدالرحمن، فيما يخص من سيتولى أمر دولته من بعده، وكذلك ضعف الاهتمام الذي أبداه المؤرخون، لمثل هذا الأمر المهم، يدفع البحث إلى تبني آراء لمواجهة هذا الغباب، والضعف، بطرح فرضيات يفسر عليها استنتاجاته التي ترجح أنه لربما كانت لدى عبدالرحمن أسباب أكثر إلحاحا، أدت به في نهاية التماس أولوياته، فيمن سيكون الأجدر والأصلح، في الأخذ بيد دولته من بعده، بأن يميل إلى هشام، ويراه الأنسب للترشيح.

لعله من الجائز هنا القول بأن صاحب تحقيق عبدالرحمن لإنجازاته العسكرية على أعدائه، في الأندلس، صاحبه تبلور فكرتين لديه: يمكن شرح الأولى منهما بالقول بأن كل انتصار عسكري كان يحققه على مناوئ من المناوئين الذين وقفوا بشراسة ضد إقامته دولة الأمويين في الأندلس، كان يجسد له، وعلى إثر كل انتصار، بأن الدولة التي صارع من أجل إقامتها قد غدت حقيقة ماثلة أمام عينيه. وتكرر الانتصارات بالمنوال نفسه كان يحرره تدريجيا من التزاماته العسكرية، ويخفف من قوة سيطرتها عليه. ولا جدال في أن هذا التحول كان عاملا ليس في تغيير نظرة عبدالرحمن لدولته، وتوجيه مخططاته المستقبلية بناء عليها فحسب، بل إن هذا التحول كان في الوقت نفسه أيضا، تحولا في الذهنية الأندلسية المعاصرة لها؛ فالدولة مع تلك التغييرات لا تقوم مكتسباتها الآن على القوة العسكرية، وسواعد الجيش فقط، وإنما تحتاج إلى سواعد من يبنون فيها قواعد الاستقرار، ويغذونها بما يساعدها على الاستمرار والتواصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت