الصفحة 46 من 76

لقد عرفنا أن سليمان كان الأكبر في ترتيب أبناء عبدالرحمن،"وأمه لخمية من ولد حاطب بن أبي بلتعة،" [1] وهي عربية حرة. أما هشام، فقد عرفنا أن أُمه كانت أمة أندلسية، من إماء بنت يوسف بن عبدالرحمن الفهري، آخر ولاة الأندلس.

إن التفسير المعقول الذي يمكن منه فهم تجاوز عبد الرحمن لعاملي"الأكبر سنا"و"الأم العربية الحرة"يكمن لربما في انحصار رؤية عبد الرحمن، حين اتخاذه قرار التحول إلى هشام، والتجاوز عن سليمان، في التفكير في أولويات دولته، قبل أي اعتبار آخر؛ وفي هذا التوجه، لم يتخل عبدالرحمن عن التقاليد الأموية السابقة التي كان يحُرص عليها فحسب، بل تغاضى عن غريزة أبوية كانت تلزمه بمنح التفويض للأكبر سنا. لعله لم يكن سهلا لعبدالرحمن التحلل من مثل هذه الاعتبارات. ولعل الدليل على ذلك يكمن في سكوته عن إعلان قراره، وعدم البوح به علنا، بيد أن ما كان يهم عبدالرحمن، فوق هذه الاعتبارات الصعبة، سوى تحقق أمرين لا ثالث لهما: ألا وهما أن يسلم، أولا، ناصية دولته لطبقة المولدين، الذين كانوا بازدياد أعدادهم حينها، آخذين في تشكيل قاعدة القوة القادمة في الأندلس، وثانيا، الاطمئنان على أن يواصل هؤلاء السير بالدولة بعيدا عن نفوذ القوى القبلية العسكرية المنهكة، وفي هذا يلمح عبدالرحمن وكأنه كان ماضيا في بناء دولته الأموية في الأندلس على قاعدة أندلسية محلية جديدة، وليس على موروثاتها المشرقية السابقة.

(1) ابن حزم، جمهرة، 94. ويزودنا محمد بن حارث الخشني بتفصيلات يقول فيها إن عبد الرحمن تزوج من هذه المرأة، حيث ولدت منه ولدا، وهو سليمان، وابنة لحقت بأبيها مع سليمان، حيث توفيت في الأندلس ودفنت بمقبرة الربض، قضاة قرطبة (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966م) ، 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت