فهرس الكتاب
لا شك أن الظروف العسكرية الصعبة التي عاصرها عبدالرحمن إبان دخوله الأندلس كانت تحول بينه وبين التنفيس عن نفسه فكريا. ولعل مما كان يصعب من موقفه هذا شعوره بأن مرور الزمن عليه، وهو يحمل السيف، كان يقلل من فرصه في تحقيق تطلعاته في هذا الجانب، ويستنهك الوقت اللازم له، كما يلح عليه بأن ما بقي من أيامه لن يسعفه في زرع، حتى بعض القليل منه، في دولته التي أقامها في الأندلس.
من الواضح أن عبد الرحمن كان يملؤه الشعور، لاسيما في أواخر سنوات حكمه، أن الأندلس قد بدأ يتشكل فيها نوع من القاعدة العلمية، خاصة مع وفود بعض من العلماء المشرقيين إلى الأندلس، وكذلك عودة عدد من الطلاب الأندلسيين الذين ارتحلوا منها إلى المدينة للدراسة على يد عالم دار الهجرة الإمام مالك بن أنس، من أمثال الغازي ابن قيس، وأبي موسى الهواري، ومصعب بن عمران الهمداني، ومعاوية بن صالح الحضرمي، ومحمد بن بشير المعافري. [1] [2] وقد أغرى دخول هؤلاء بعلومهم الأندلس نفرا من طلاب العلم الأندلسيين للأخذ منهم، ومن ثم بذر البذور الفكرية الأولى هناك، ومن آثار ذلك أن الأندلس كانت عندئذ قد بدأت تدخل مرحلة فكرية نشطة، كانت في حاجة للرعاية، خاصة من حكامها، لكي تحقق النمو والتواصل مستقبلا.
(1) انظر في مواضيع تراجمهم، الخشني، قضاة قرطبة، كذلك: القاضي عياض السبتي، أبو الفضل عياض ابن موسى بن عياض اليحصبي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مالك، تحقيق أحمد بكر محمود (بيروت:دار مكتبة الحياة، 1967م) ، 1: 202-203؛ أيضا: أبا بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي، طبقات النحويين واللغويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار المعارف، 1392هـ/1973م) ، 254-255.